ترجمات

موقف ترامب من الفلسطينيين قلَب السياسات الأميركية السابقة رأساً على عقب

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

غريغوري أفتانديليان* – (ذا أراب ويكلي) 6/7/2019
على الرغم من أن منتقدي السياسة الأميركية قد أكدوا منذ فترة طويلة أن واشنطن كانت منحازة معظم الوقت لصالح إسرائيل، فإن هذا لا يعني أن الولايات المتحدة -على الأقل حتى وقت قريب للغاية- قد تخلت عن الفلسطينيين.
يجب أن نتذكر أن الولايات المتحدة دعمت في العام 1947 اقتراح حل الدولتين الأول -خطة التقسيم التي اقترحتها الأمم المتحدة لفلسطين، والتي تصورت إقامة دولة يهودية وأخرى عربية، مع وضع القدس تحت الإدارة الدولية.
ثم تم تعليق فكرة الدولتين بعد حرب 1948، عندما استولت دولة إسرائيل الناشئة حديثاً على مساحة أكبر من التي اقترحتها لها خطة التقسيم، وأصبحت الضفة الغربية والقدس الشرقية خاضعة للسيطرة الأردنية بينما خضع قطاع غزة للسيطرة المصرية. وبعد حرب العام 1967، سوف تصبح تلك المناطق بدورها تحت السيطرة الإسرائيلية.
تسببت حرب العام 1948 في صنع حوالي 750.000 لاجئ فلسطيني، لكنهم تلقوا الدعم من وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا)، والتي تلقت منحاً مالية كبيرة من الولايات المتحدة، بدءاً من العام 1949.
من وجهة نظر صانعي السياسة الأميركيين في ذلك الوقت، نال الفلسطينيون الجزء الأكبر من المعاناة والألم في نزاع العام 1948، ولذلك كانت واشنطن حريصة على إظهار أنها ستدعمهم من خلال الأونروا. ومع تخمر الحرب الباردة في ذلك الوقت، أراد المسؤولون الأميركيون أيضاً كسب التأييد من الدول العربية، وكان الدعم الاقتصادي للاجئين الفلسطينيين إحدى الطرق لتحقيق ذلك.
منذ أواخر الستينيات وخلال معظم الثمانينيات، اتخذت الولايات المتحدة موقفا قوياً ضد منظمة التحرير الفلسطينية والمجموعات الفلسطينية الأكثر تطرفاً مثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، بسبب ما اعتبرته استخدامها للإرهاب وعلاقاتها مع موسكو.
ومع ذلك، سرعان ما أدركت واشنطن أن منظمة التحرير الفلسطينية تمثل معظم المجتمع الفلسطيني، وأن انتهاج سياسة تتجاهل هذه الحقيقة ستكون له نتائج عكسية. وبعد أن أعلن زعيم منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات علناً، برعاية الولايات المتحدة، في العام 1988 أنه يعترف بإسرائيل وينبذ الإرهاب، دخلت الولايات المتحدة في حوار مع منظمة التحرير الفلسطينية.
بعد أعوام عدة، توصلت حكومة حزب العمل الإسرائيلية برئاسة يتسحق رابين إلى الرأي نفسه، وهو ما أنتج اتفاقيات أوسلو. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة لم تكن جزءاً من المفاوضات التي أنتجت الاتفاقيات، إلا أن الرئيس الأميركي بيل كلينتون أيدها بشدة واستضاف حفل التوقيع الذي شهد المصافحة بين رابين وعرفات في البيت الأبيض.
كانت عواطف كلينتون المؤيدة لإسرائيل معروفة جيداً، لكنه أصبح صديقاً للفلسطينيين أيضاً. وقد استقبل عرفات مرات عدة في البيت الأبيض، وسافر إلى غزة ودعَم تقديم مساعدات اقتصادية أميركية كبيرة للضفة الغربية وغزة.
على الرغم من أن اتفاقيات أوسلو فشلت -وأصبح كلينتون غاضباً من عرفات لعدم قبوله العرض الإسرائيلي الأخير في كامب ديفيد الثاني- كان كلينتون يدرك أن القضايا السياسية، وليس الاقتصادية، هي التي تقع في صميم الموضوع.
بالنسبة لخليفته؛ جورج دبليو بوش، وعلى الرغم من أنه رفض التعامل مع عرفات، فإنه دعا صراحة إلى حل الدولتين وأيد خليفة عرفات، محمود عباس. كما فشلت جهود عملية السلام التي بذلها الرئيس باراك أوباما أيضاً، لكنه كان أول رئيس أميركي يتحدث صراحة عن الفلسطينيين الذين يعانون من “الإهانات اليومية”، وقال “إن أميركا لن تدير ظهرها لتطلعات الفلسطينيين المشروعة إلى الكرامة والفرصة وإقامة دولة خاصة بهم”.
لا شك في أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب فريد من نوعه لأنه قام بقلب هذه السياسة رأساً على عقب. إنه لم يكتف بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إلى تلك المدينة فحسب -وهي الأمور التي قاومها جميع الرؤساء الأميركيين السابقين- لكنه قطع المساعدات الأميركية عن الأونروا، وقلل بشكل كبير من المساعدات الأميركية للفلسطينيين، وقام بإغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن.
وفي آخر ميزانية له، اقترح ترامب تقديم 35 مليون دولار فقط للفلسطينيين في الضفة الغربية -للتدريب على إنفاذ القانون فحسب. وعلاوة على ذلك، يبدو أنه يدعم كل شيء يريده رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
هذا التغيير في السياسة الأميركية دفع القيادة الفلسطينية إلى تعليق المحادثات مع واشنطن. ومع أنه لم يتم كشف النقاب عن خطة عملية ترامب للسلام، التي صاغها إلى حد كبير صهره جاريد كوشنر، فإنه يشاع أنها لا تدعم قيام دولة فلسطينية. ورأى الفلسطينيون أن المؤتمر الأخير الذي عقدته الإدارة الأميركية في البحرين، والذي هدف إلى استدراج تعهدات بتقديم الدعم الاقتصادي لهم، هو وسيلة للالتفاف على قضية السيادة الفلسطينية وتأجيلها في نهاية المطاف.
وهكذا، قاطع الفلسطينيون المؤتمر، وأرسلت دول عربية عدة مسؤولين من المستوى الأدنى لحضوره. وعلى الرغم من جهود إدارة ترامب لتسويق المؤتمر على أنه “نجاح”، فإنه كان فشلاً إلى حد كبير.
من الصعب تخيل أن أي رئيس أميركي آخر قد يتبع سياسة تهدف إلى “شراء” الفلسطينيين من دون عملية سياسية تؤدي إلى قيام دولة فلسطينية.
ومع ذلك، من غير المرجح أن يغير ترامب مساره ويخرج بخطة سلام تلبي الحد الأدنى من التطلعات السياسية الفلسطينية. ولا بد أنه أجرى بلا شك حساباً سياسياً توصل من خلاله إلى أن من الأفضل أن يبقى محلاً لرضا بنيامين نتنياهو بدلاً من الضغط عليه لتقديم تنازلات.
سوف ترضي هذه السياسة قاعدته السياسية، لكنها لن تفعل شيئاً لتحقيق السلام أو استعادة مصداقية الولايات المتحدة لدى الفلسطينيين، وهو ما كان قد سعى إليه العديد من أسلافه من أجل تحقيق اتفاق سلام حقيقي.

*محاضر في كلية باردي للدراسات العالمية بجامعة بوسطن، وهو محلل سابق في قسم الشرق الأوسط في وزارة الخارجية الأميركية.
*نُشر هذا المقال تحت عنوان: Trump’s position on Palestinians upending past US policies

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock