أفكار ومواقف

ميازما

في العام 1854، كانت (سوهو) مسرحاً لموجة كوليرا قاتلة دفعت سكان الحي اللندني للنزوح هرباً من شبح الموت الذي خيم على أجواء العاصمة الإنجليزية، فنظرية (الميازما) التي تنص على فكرة الهواء الملوث المعبأ بالمرض كانت هي المسيطرة ويتبناها الأطباء قبل العوام، فكانت مسميات هواء الليل والهواء الأصفر هي اللغة العلمية في تحليل المرض، وعليه كانت عملية إحكام إغلاق الشبابيك والأبواب منعا لدخول الهواء للبيوت هي أهم استراتيجية في مواجهة عالم الأموات الزاحف بنهم لابتلاع المدينة، وفي هذه الأثناء كان (جون سنو) الطبيب الإنجليزي -وليس سنو الفانتازي في لعبة العروش- يحضر لأهم انقلاب علمي سيغير من فلسفتنا لمواجهة الحياة والموت؛ حيث اكتفى من نظريات العبث حول الموت الغامض واتجه للبحث عن أصل انتشار الوباء ليتدرج الى أن وصل الى شارع برود، وهناك نصبت مضخة مياه تبين نتيجة البحث والتقصي اختلاط مياهها بمياه المجاري والذي نشأ عنه انتشار الكوليرا، عملية بحث علمية تسببت بالانتقال من أسطورة الميازما الى النظرية الجرثومية التي ترجع المرض الى سبب وليس الى أسطورة.
في وقت مواز وخلال الأعوام التالية، ظهرت دراسات علمية متنوعة عززت هذا الفهم ورسخته، كان على رأسها جهود العملاق الألماني روبرت كوخ الذي حاصر بكتيريا السل الرئوي التي كان ينسب العوام فهمها قبل ذلك الى قصص مصاصي الدماء، وخلال تحليل كوخ لمصدر البكتيريا القادم من الأبقار، كان عبقري آخر ينسج أهم فصول النظرية الجرثومية عبر اكتشافه عملية البسترة المنسوبة لاسمه الأخير (لويس باستور)، وعليه كان الجميع يتفق على مطاردة المتسبب الجرثومي فصعدت قيم الوقاية من الكائنات المجهرية والتطهر منها في حال اعتل الجسم بسببها، مدرسة أسس أول أركانها إنسان يقال إنه أنقذ من البشرية ما لم يصل اليه أحد قبله أو بعده، إنه الرائع (إدوارد جينر) قاهر واحد من أبشع الأمراض وأكثرها فتكا (الجدري) ومؤسس علم المناعة الذي تنسب إليه أبوته.
ومن أجمل حكايات التوهج الطبي للقرن التاسع عشر ملاحظة الطبيب المجري (أجناتس سيملويس) عندما كانت حمى النفاس تحصد آلاف الأرواح، الى أن لاحظ سيملويس أن الوفيات بسبب حمى النفاس ترتفع في قسم أطباء التوليد المفصول عن قسم القابلات المجاور والذي يحقق نسب وفاة أقل بسبب الحمى ذاتها، ليخلص بعد بحث معمق إلى أن السبب ببساطة هو غسل اليدين وتعقيم الأدوات قبل العملية، هذا الأمر أدى الى انخفاض نسبة الوفيات من عشرين بالمائة الى واحد بالمائة!
في العام 1348، أخذ ملك فرنسا فيليب السادس رأي كلية تدريس الطب بباريس حول سبب مرض الطاعون، أجاب رؤساء جامعة السوربون أن الطاعون ظهر للوجود متزامنا مع ظهور كواكب؛ زحل والمريخ والمشتري في 24 آذار 1345، وهذه الحوادث غير الاعتيادية للكواكب أدت الى سخونة الهواء الذي أثبت نفسه كميازما في أورام الطاعون، هكذا كان العالم قبل القرن التاسع عشر.
لقد انعكست قضية شارع برود في كل أنحاء العالم من خلال الإصلاح الاجتماعي والبيئي الذي تبع هذه الكارثة؛ حيث قاد المهندس جوزيف بازالجتي عملية بناء شبكات صرف صحي تستوعب البنى السكانية الكبرى، وهو العمل الذي سيقاس عليه في بناء المدن العالمية لاحقاً، فيما صعد مفهوم الصحة العامة العالمي حيث الوقاية من الأمراض والارتقاء بالرعاية الصحية.
لكن تكمن درة تاج إنجازات القرن التاسع عشر ليس فقط بالإنجازات الطبية العظيمة، وإنما لكون من تصدروا البحث حفروا عميقا لفهم أصل الأشياء لإدراكها ولم يخضعوا لخرافات الميازما التي للأسف باتت تبتلعنا اليوم!

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock