أفكار ومواقف

ميراث بوش بشهادة أميركية

لعلّ من أبرز الأسئلة المؤرقة التي تلّح على الرئيس بوش وتؤرق مضجعه هذه الأيام: كيف سيذكره التاريخ؟ وما هو الميراث الذي سيتركه بعد رحيله من عالم السياسة؟


في العالم العربي والإسلامي ثمة إجماع على أنّ الرئيس بوش تسبّب بكوارث سياسية كبرى في المنطقة، وكان عهده عنوان خراب وتدمير للعراق، والحرب على أفغانستان، وقصف مدرسة طلابية في باكستان.


لقد أدّت “الحرب على الإرهاب” إلى ازدياد صورة الولايات المتحدة في العالم العربي قتامة، تحت وطأة أحداث سجن أبو غريب والمعاملة اللا إنسانية التي يتلقاها معتقلو غوانتنامو وقتل المدنيين والأبرياء في العراق بدمٍ بارد على يد الجيش الأميركي والشركات الخاصة التي يستعين بها، بخاصة شركة بلاك ووتر. وقد وصلت بتقديري نزعة “معاداة الولايات المتحدة” في عهد بوش، وبفضله، أقصى درجاتها خلال السنوات الأخيرة.


إذا كان هذا شيئا مما سيتذكر به العرب الرئيس بوش في السنوات القادمة، فكيف سيتذكره الأميركيون؟..


تجيب على هذا السؤال صحيفة نيويورك تايمز في افتتاحيتها قبل ايام بعنوان “العودة إلى أميركا التي نعرف”. تقول الافتتاحية:”لا عذر لما أظهره بوش ورجالات إدارته من ارتباك وانهيار. وكيف نسوا أن واجبهم حماية الأميركيين والمثل الأميركية، وأنه لا حماية ولا ضمان لنا جميعاً إذا ما جرت التضحية بتلك القيم. وبسبب الارتباك والالتزام الأيديولوجي أضاع بوش الموقف الأخلاقي الأميركي والقيادة الأميركية، وتجاوز المؤسسات الدولية والمعاهدات، وأساء إلى صورة أميركا العالمية وداس على القيم الدستورية التي استندت إليها ديمقراطيتنا خلال أزمة الأزمات والحروب والنكبات”.


وتعدد الافتتاحية بعضاً من الأعمال المسيئة التي طغت على صورة الولايات المتحدة في العالم خلال السنوات الأخيرة، إذ تقول:”منذ11 أيلول 2001 رأينا جنودنا يسيئون معاملة الناس، ويتحرشون بهم جنسياً، ويقتلون السجناء ويعذبونهم في أفغانستان والعراق..لقد رأينا مرتزقة يقتلون مدنيين عراقيين دونما خوف من الحساب أو الملاحقة..رأينا الرئيس يحلف بالحفاظ على الدستور، لكنه يعمد لاستخدام صلاحياته ضد المواطنين، ويمكّن أجهزة الاستخبارات من التجسس عليهم ومراقبة هواتفهم وبريدهم الالكتروني ومن دون رادع..”.


وتشير الافتتاحية إلى القوانين والتشريعات والسياسات التي اتخذتها إدارة الرئيس بوش ليس فقط ضد الأمم والشعوب الأخرى إنما أيضاً لتضييق هامش الحريات العامة والحقوق المدنية والسياسية داخل الولايات المتحدة نفسها، وذلك بصناعة مناخ من الرعب والتخويف بذريعة أنّ “العدو يعيش بيننا”. تقول الافتتاحية:”وقد استخدم البيت الأبيض الخوف من الإرهاب والإحساس الوطني والقومي بالوحدة والتضامن لتمرير القوانين من خلال الكونغرس، ما أعطى السلطات التنفيذية وجهات تنفيذ القانون قوة أكبر على الأرض أكثر مما تحتاج إليه بالفعل”.


بل تكشف الافتتاحية عن جريمة تاريخية ارتكبتها الإدارة الأميركية هروباً من توثيق الانتهاكات التي قام بها الجيش الأميركي وأجهزة الاستخبارات خروجاً على كافة المعاهدات الإنسانية الدولية، تقول الافتتاحية:”وفي نظرة مراجعة إلى ما حدث لا نجد غريباً أن يحاول عضو آخر في إدارة الرئيس بوش أن يغطي على مساحة مهولة من مساحات الخروج على الأعراف والأخلاق والقوانين. فقد كان خوسيه روديغير رئيس العمليات السرية في الاستخبارات المركزية الأميركية عندما أمر في تشرين الثاني عام2005 بإتلاف التسجيلات التي تصور تعذيب السجناء”! وقد استدعي خوسيه للشهادة أمام الكونغرس الأميركي على اتلافه هذه التسجيلات، لكن محاميه قال إنه لن يشهد قبل أن يعطى ضمانات بالحصانة، حتى لا تستخدم شهادته ضده! لكن افتتاحية النيويورك تايمز تطالب بعدم منحه هذه الضمانات وبإيقاع الاتهام عليه “إذا ثبت فعلاً أنّ ما قام به هو عمل جنائي”.


وتعدد الافتتاحية أبرز مآثر الإدارة الأميركية على المستوى الخارجي من سجون ومعتقلات سرية، التي تباح فيها شتى أنواع التعذيب ومن اعتقال الناس في مختلف أنحاء العالم من دون وجود أدلة دامغة ضدهم، وإرسالهم إلى معتقلات حيث تنال اعترافاتهم بالإكراه. وترى الافتتاحية أنّ الرئيس القادم “سيقضي وقتاً طويلاً في اكتشاف اخطاء الإدارة السابقة وكيفية إصلاحها وتقويمها وإنصاف الناس منها”.


بالفعل؛ تقدّم النيويورك تايمز شهادة تاريخية بحق الرئيس بوش وما قام به من تدمير ممنهج ليس فقط لصورة الولايات المتحدة الأميركية في الخارج، بل حتى للأخلاقيات والقيم والمعايير التي تحكم العديد من المؤسسات الاميركية، بخاصة العسكرية، بل وفي ثقة الأميركيين بمؤسساتهم وبالتلاعب بالمشاعر الوطنية لهم.


وتتجلى المفارقة بحق أنّ الإدارة الأميركية التي رفعت خلال عهد الرئيس بوش شعار “الإصلاح السياسي في العالم العربي” هي نفسها التي استنسخت استراتيجيات وأدوات الحكومات الدكتاتورية العربية ووسائلها. فبدت الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة وكأنّها أقرب إلى دولة “البوليسية” امنية، فهل كان هذا نتيجة “الخطر” الحقيقي لتنظيم القاعدة، أم نتيجة “صناعة الرعب” التي انتشرت لخدمة شركات السلاح والاستثمار التي يشارك فيها أقطاب الإدارة الأميركية أم تحت وطأة العقائد الدينية- اليمينية التي يتبناها الرئيس بوش وأقرب معاونيه ومستشاريه؟!


[email protected]

مقالات ذات صلة

‫3 تعليقات

  1. يا رايح سوي الملايح..
    لقد ابدعت في مقالك هذا…
    ابرزت اهم النقاط التي كانت ربما غائبه عن البعض..
    فكل ما يدور في العالم ..كان باداره واراده اميركيه بحته…
    كا اراد بوش .. ولكن وللأسف لن ينسى التاريخ ويلات الشعةب التي اطاحت به خلال فترة رئاسته..
    انك يا سيد محمد بمقالك عبرت عما يجول بخاطر كل عربي وضع نبراس عروبته أمام عينيه…
    واثريت معلوماتنا بمالم نكن على دراية كافيه به..
    شكرآ جزيلآ

  2. وكيل عقارات يمتلكها الغير
    شكرا أخ محمد وأعلق بالقول:
    سيحكم التاريخ على بوش
    كوكيل عقارات رباني يمنح اسرائيل المزيد من الاراضي المحتلة بابقاء المستوطنات الكبرى في مكانهاويمنحها حدود جديدة في عمق الضفة الغربية. وسيتم اكتشاف صفته الزائفة وسيتم فضح اكاذيبه يوم القيامة.

  3. تارخ مخزي للبشرية
    سيسجل التاريخ جرائم بوش ودمار المشروع الديمقراطي على يده لقد شوه سمعة امريكا التي منذ دخولها سباق الدول العظمى ارتكبت كوارث بحق الانسانية بداية من هيروشيما ونهاية في العراق ولن ننسى كل فيتو بحق الشعب الفلسطيني

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock