فنون

“ميكروفون”: مقاربة البيئة الإنسانية ومخاطبة الوقائع الحياتية الآنيّة

دبي- الغد- في فيلمه الروائي الطويل الثاني، “ميكروفون”، الذي حققه بعد نحو عام واحد فقط على إنجازه “هيليوبوليس”، بدا المخرج المصري أحمد عبدالله أقدر على مقاربة البيئة الإنسانية، وعلى مخاطبة الوقائع الحياتية الآنية، بلغة سينمائية أعمق وأهم.


ومع أن “ميكروفون” يقترب من “هيليوبوليس” على مستوى تصويره العلاقة الصدامية القائمة بين الراهن والماضي، بتناقضاتهما القاتلة أحياناً، فعبدالله شكل، في فيلمه الثاني، لحظة تأمل أكبر في راهن المدينة المتوسطية الإسكندرية، ولحظة حنين أعظم إلى ذاكرة وحكايات أفلت.


ومع أنه لم يشأ الإسراف العلني بثنائية الحنين والذاكرة من خلال الآني، إلا أن مواكبته رحلة خالد (خالد أبو النجا)، العائد إلى المدينة وحبيبته بعد غياب في المهجر، بدت مواكبة لرحلة التبدلات الحاصلة في قلب المدينة، من خلال شباب الفرق الموسيقية الغنائية الجديدة (راب، روك) أو الفنية (غرافيتي).


وهي فرق عكست، بأعمالها الشبابية، شيئاً كثيراً من هذه التبدلات الصعبة. لوهلة أولى، يخال المشاهد نفسه أنه ذاهب إلى الإسكندرية الحديثة برفقة أحمد عبدالله، على طريقة الإيراني بهمان قبادي في “لا أحد يعرف شيئاً عن القطط الفارسية” (2009).


غير أن فروقات عدة حالت دون تثبيت هذا التشابه الموجود في المناخ العام، إذ إن الفيلم الإيراني جال في قعر العاصمة الإيرانية طهران عبر لقاءات عدة مع فرق موسيقية وغنائية شبابية كثيرة، بينما اختار عبدالله عدداً قليلاً للغاية من شباب هذه الفرق في الإسكندرية، كي يرسم ملامح مرحلة وسمات حالات إنسانية واجتماعية وثقافية آنية.


ثم إن المسار الدرامي للفيلم الإيراني انتهى بتدمير الذات عبر الموت، في حين أن المسار الدرامي للفيلم المصري انتهى في قلب التحول، جاعلاً المدينة وناسها على تخوم جديدة مع راهن متقلب وغد مرتبك.


بعيداً عن مقارنة كهذه، ظل “ميكروفون” أقرب إلى سينما “أندرغراوند” بقدرته الدرامية على الذهاب إلى أقصى القعر المديني والاجتماعي والإنساني، لكشف المستور، المعلن أصلاً في سلوك شبابي متمثل بأغنية من هنا أو بلحن من هناك أو برسم غرافيتي من هنالك.


شباب مصريون معلقون عند الحد الفاصل والقاسي بين الحلم المجتزأ والواقع المأساوي، أو عند الحد القاطع بين الماضي والحاضر.


مع هذا، حافظ “ميكروفون” على المناخ الإنساني الشبابي المرتبك، مانحاً الشباب حرية التحرك أمام كاميرا بدت كأنها مختفية في طيات العفوية والأزقة والحكايات والمناحي النفسية والروحية لأولئك الشبان المقيمين في قلب الإعصار، والقادرين على الدخول في التفاصيل والخروج منها إلى أقصى الاختبار اليومي العام.


مزج أحمد عبدالله الوثائقي بالسردي، كاسراً الحائط الفاصل بينهما لمصلحة نص سينمائي محكم البناء، رغم ارتباك شخصياته وحكاياتها، وذاهباً بالتجريب البصري إلى حدود البحث المتأني عن إمكانية العدسة في تفكيك الحالات الموجودة في المدينة وفضائها، لإعادة تركيب مفرداتها في إطار سينمائي متماسك.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock