مقال مكرم الطراونة

ذات مرة، كنت أستمع إلى شيخ كبير في السن، وهو يلتقط مفارقة قائلا: “قليلون هم من لم يحظوا بمشاهدة الملك وجها لوجه”! وشرح الشيخ عبارته بأن جلالة الملك لم يترك مكانا واحدا في الأردن إلا وزاره مرارا، ملتقيا بأبناء شعبه، ومصغيا إلى مشاكلهم وآمالهم وطموحاتهم، وملبيا مطالبهم.
قد لا يكون هناك مثال آخر يمكن أن نأتي به على مثل هذه العلاقة الخاصة والوثيقة التي تجمع ملكا بشعبه، أو شعبا بملكه. لذلك فحين يحتفل الأردنيون بعيد ميلاد مليكهم، فهم لا يرغبون بإعادة التأكيد على قيم الولاء للقائد، بل هو إظهار المحبة التي ورثها الأردنيون من آبائهم وأجدادهم لملوك بني هاشم الذين زرعوا محبتهم في كل القلوب.
رسائل الأردنيين لمليكهم تتجاوز كل البروتوكولات، وتكسر الصورة النمطية عن علاقة قائد بشعبه، فهي تتحدث عن واحد من أفراد الأسرة؛ الأب والأخ والعم والخال، لذلك، فمثلما تحتفل الأسر بمواقيت ميلاد أفرادها، يحتفل الأردنيون بعيد ميلاد مليكهم.
الحالة الأردنية فريدة في هذا السياق، فحتى البروتوكول الذي يمكن لتجاوزه أن يكون أمرا غير مألوف، أو غير مرغوب، إلا أنه ليس بغريب في الأردن؛ قيادة وشعبا، فالملك دائم التواجد بين الناس؛ قريب منهم، يتابع شؤونهم عن كثب؛ ويهتم بمشاكلهم ويحمل همومهم، ويفرح لفرحهم، ويحزن لحزنهم.
كثيرا ما يجد الأردنيون، جلالة الملك وهو يجوب المدن والبوادي، يشاركهم أيامهم، فيخفف مصاب المكلوم منهم، ويشاطرهم أفراحهم، ويتابع شؤونهم التي مهما صغرت بعين الغير، إلا أنها ستكون كبيرة في عين جلالته.
في الأردن؛ لم تسيج العائلة المالكة قلعة حول أفرادها، ولم تنعزل يوما عن الشارع ونبضه، فها هو الملك نجده في الصفوف الخلفية يؤدي فريضة الجمعة في أحد المساجد من دون بروتوكولات ولا حراسات، بل يجلس بين إخوانه يستمع للخطبة مثلهم بخشوع وإنصات، ويحيطه المواطنون العاديون من المصلين وليس أصحاب الرتب والمناصب.
في الأردن؛ ملك يصطحب عائلته إلى أحد المطاعم الشعبية، لكي يحصلوا على إفطار “الفلافل” و”الشاورما”، ولا ينسى الأمنيات الصغيرة لأبناء شعبه، فيصر على دعوة عامل وطن إلى بيته، فيستقبله مع ولي عهده ضيفا مكرما ليتابع معه مباراة كرة قدم للمنتخب الوطني، ويقدم له الشاي والمكسرات، مثلما يفعل أي أردني في موقف مماثل.
هنا في أرض يحكمها الهاشميون، لا تجد شعبا وملكا، بل أسرة ورب أسرة يحرص عليها، يرعى شؤونها، يتدبر أمرها، ويسهر على راحتها، بينما الأسرة تغمض عليه جفونها محبة.
في هذه الأرض، يجالس القائد الجميع، يذهب إليهم تارة، ويستضيفهم تارة أخرى. في ديوان لعشيرة، في جامعة، في قرية.. مخيم.. ريف.. بادية ومدينة، في كل تلك الأماكن تجد الملك بين الناس. وفي ديوانه؛ بيت الأردنيين، تجد كل هؤلاء، يتوسطهم الملك مصغيا لهم، ومتحدثا إليهم بشفافية ومكاشفة كبيرة عن الأردن الذي يطمح إليه، وعن التحديات التي تواجهنا، والتي ينبغي أن نحولها لفرص.
بمليكهم يشعر الأردنيون بالقوة والمنعة والحكمة، فهم يعلمون أنه الصوت الأخير للحكمة في إقليم عزت فيه الحكمة. يحبونه لأنه يتحدث بلسانهم حين يختار أن يحذر من حل النزاعات ينبغي أن يكون بالطرق الدبلوماسية السلمية، لا عن طريق الحرب والدمار. يحبونه لأنه يدافع عن وحدة الأقطار العربية التي ينبغي أن لا نسلمها لتقسيم جديد.
يحبونه أيضا، لأنه صوت فلسطين، والمدافع عن المقدسات الإسلامية والمسيحية في وجه احتلال يريد أن يضع العرب أمام الأمر الواقع، خصوصا في هذا الزمن الذي يعيش فيه العرب واحدا من أسوأ الأوقات، بعد أن فقدوا العمل العربي المشترك، وهمشوا القضايا التي يلتقون عليها.
في الأردن، أرض الهاشميين، ضيوف أعزاء. أخوة في الدم والمصير والمستقبل، من كل الدول العربية المكلومة بأحداث جسام ونزاعات منتهية وغير منتهية، استقبلهم الأردن ضيوفا لا لاجئين، يستقرون أنى شاؤوا، يقتسم لقمة العيش معهم، يغيثهم ويحميهم، ويقدم لهم ما استطاع في سبيل راحتهم، كيف لا؟ وهم ضيوف الأسرة الأردنية الكبيرة.
حين يحتفل الأردنيون بعيد ميلاد جلالته، فهم يحتفلون بميلاد واحد منهم ولهم. ملك ظل لهم الأب الحاني، فكانوا له أبناء محبين.
كل عام والأردن وجلالة الملك والأردنيون بألف خير وسلام.

[email protected]

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock