صحافة عبرية

ميونخ 1938.. موسكو 2022

يديعوت أحرونوت

سيفر بلوتسكر

“ميونخ: على شفا الحرب” هو الفيلم الجديد للمخرج الالماني كريستيان شفاتشو، والذي رفع هذا الشهر الى نتفلكس. حبكته التي تستند الى قصة التجسس للكاتب البريطاني روبرت هاريس “ميونخ”، تقع في اليومين الحرجين من أيلول 1938 – عندما طلب هتلر من بريطانيا وفرنسا ان يضم الى المانيا النازية اجزاء من تشيكوسلوفاكيا واستعداد اجزائها الأخيرة في ظل تهديد صريح لغزوها اذا لم تعطى له الموافقة المطلوبة. وقد أدار مفاوضات مع رئيس حكومة بريطانيا تشمبرلين، الذي استسلم أخيرا لكل مطالبه ومن أجل “انقاذ أوروبا من حرب أخرى” قدم تشيكوسلوفاكيا على طبق من ورق للنازيين.
الكتاب، وبخاصة الفيلم، ليسا تاريخيين. فالى الواقع المعاد والمليء بالعدمية اضيفت قصة خيالية عن دبلوماسي الماني شاب مناهض للنازية يسرب لصديقه البريطاني، زميل دراسة في اوكسفورد وثيقة يفصل فيها هتلر خطط الاحتلال المستقبلية له في أوروبا؛ تصل الوثيقة عشية التوقيع إلى أيدي تشمبرلين، التي يردها باستخفاف وبغضب ويقرر الاستجابة لمطالب هتلر. وكي يبرر أفعاله يستعين بثلاث حجج. الأولى: ما يطلبه هتلر من العالم ليس مناطق حيوية للامة الالمانية بل فقط “التقدير والاحترام”. اذا ما حصل عليهما، فسيمتنع عن ضرباته الامبريالية. الثانية: الاتفاق مع هتلر سيكون إنجازا حقيقيا للدبلوماسية وكل حرب تأجلت بالدبلوماسية حتى ولو لفترة قصيرة افضل من حرب تنشب بسبب فشل الدبلوماسية. والثالثة: للقوتين العظميين، المانيا وبريطانيا محظور الخروج الى حرب بسبب “نزاع على حدود دولة صغيرة معظم الاوروبيين لم يسمعوا عنها على الاطلاق”. باختصار، من الافضل لكل العالم أن يغض النظر بل وان يعطي شرعية لـ “غزو صغير” من المانيا النازية لدولة مجاورة.
هذه الحجج تطرح مجددا في أوروبا في كانون الثاني 2022، هذه المرة حيال تهديدات النظام الحالي في روسيا تجاه اوكرانيا، دولة ديمقراطية مجاورة ممزقة من الداخل. صحيح، يوجد كل الفرق الذي في العالم بين روسيا بوتين والمانيا هتلر، ولا توجد لي ذرة نية لا سمح الله لبسط اوجه شبه لا بين الاثنين ولا بين الحكمين. كل شيء يفرق بينهما، باستثناء نهج التهديدات على الدول المجاورة والسيطرة عليها، أو على أجزاء منها، واستخدام حكومات دمى في اراضيها. هنا يجدر بالذكر انه في 1956 ايضا “طلب” الشيوعيون الهنغاريون التابعون لموسكو من الاتحاد السوفياتي بارسال الدبابات لقمع الثورة الهنغارية الديمقراطية. في 1968 “طلب” شيوعيون تشيكيون من هورتشوف ارسال قوات حلف وارسو لقمع ربيع براك، وفي 1979 كان الشيوعيون الافغان المتفرعون عن موسكو هم الذين استجدوا جدا قادة الاتحاد السوفياتي في غزو بلادهم. دون أن نذكر الاحتلال العملي لاوكرانيا الشرقية وشبه جزيرة القرم من قبل الانعزاليين الروس في 2014 – 2015 وتثبيت سيطرة الكرملين وبالتالي لا تنقص السوابق.
ورغم الاختلاف العميق للسياسة العالمية، تطرح اليوم ايضا حجج مشابهة في صالح الاستجابة الفورية للانذار الروسي على اوكرانيا والغرب: بوتين لا يريد اوكرانيا، هو يريد فقط “التقدير والاحترام” من الغرب. الحل الدبلوماسي، بما في ذلك الاستسلام لمعظم مطالبه، افضل من خطر الحرب. واجمالا لا ينبغي تسليم العلاقات بين القوى العظمى بسبب خلافات حدود مع اوكرانيا البعيدة: اين على الاطلاق توجد اوكرانيا هذه؟
فيلم شفاتسو بخلاف كتاب هاريس – يحاول تبييض تشيكوسلوفاكيا لهتلر من قبل تشمبرلين بالقول ان السنة التي انقضت بين اتفاق ميونخ والغزو النازي لبولندا ايلول 1939 استغلت لتسلح سريع لبريطانيا واستعدادات فرنسا للحرب. اما الحقيقية التاريخية فمختلفة تماما: بريطانيا وحلفاؤها لم يكسبوا شيئا من الاستسلام لهتلر في ميونخ في 1938، بينما النازيون ربحوا الكثير.
“ميونخ: على شفا الحرب” هو فيلم غير جيد، طويل جدا، غامض جدا، فيه كثير من الثرثرة والتزييف. ولكن يوجد فيه درس: من يقدم اضحية لجبار لا يشبع الجبار بل يزيد شهيته فقط. هيا نأمل في أن الرئيس الامريكي جو بايدن، الذي ولد في ذروة الحرب العالمية الثانية وصممت وعيه السياسي الحرب الباردة، ان يتبنى ويستوعب رسالة العقل هذه.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock