الغد الاردنيتحليل إخباري

مُناخ متقلب وتحدٍ قائم

حسين الكسواني*

مرّت منطقة الشرق الأوسط بموجة حر شديدة للغاية في الأسابيع الماضية لتذكرنا بأن التغير المُناخي بات شيئاً نعايشه الآن وليس كما يعتقد البعض بأنه تحدٍ مستقبليْ لن يؤثر إلا على الأجيال القادمة.

فالحرائق في سوريا تعتبر ظاهرة جديدة وغير مألوفة، فشدة الجفاف التي صاحبت درجات الحرارة القياسية في المنطقة هيأت الفرصة لحدوث الحرائق، كما ولذات الأسباب فإن مساحات الغابات المحدودة في الأردن باتت تعاني من خطر الحريق أكثر فأكثر “مع وجود عوامل أخرى كافتعال الحريق من أجل الحصول على الحطب”.

وفي سياق مختلف ولكنه مرتبط ارتباطاً وثيقاً، تعاني السودان من ويلات الفيضانات لأيام متتالية والناتجة عن أمطار رعدية، متسببة في وفاة ما يقارب المِائة شخص، وكما تعاني دول المغرب العربي من الأمطار القياسية في الفترة الماضية. وذلك ما تشير إليه نماذج المناخ، فهذه الظواهر المناخية القياسية سوف تزداد وتيرتها في المستقبل بالإضافة لحصول تقلبات مناخية أخرى في فصل الشتاء والتي سنأتي على ذكرها في مقال لاحق بإذن الله.

وهنا قد يتبادر في ذهن القارئ: “هل التغير المناخي هو سبب هذا كله أم أنه جزء من تقلبات الطقس الاعتيادية؟”، فالأردن على سبيل المثال عايَشَ مثل هذه الموجات الحارة سابقاً وبتكرار يتراوح كل عشر سنوات، لكن درجات الحرارة المُسجلة في هذه الموجة قياسية بكل معنى الكلمة وتعتبر الأعلى في مثل هذا الوقت من السنة. وهنا يتوضح لنا حقيقة أن تغير المناخ قد يتسبب في زيادة الحرارة التي في الأصل يمكن ان تحدث ضمن النطاق الطبيعي (دون تأثير تغير المناخ الناتج من النشاط البشري) لتجعلها قياسية، ومع أن الارتفاع في معدل درجة حرارة الكوكب اليوم وصل تقريباً لدرجة واحدة مئوية فقط إلا أن أثر هذا في منطقتنا قد يتجاوز الأربع درجات انحراف عن المعدل في مثل هذا الوقت من العام (وفي حالة هذه الموجة فقد وصل إلى عشر درجات فوق المعدل).

ولكن ما دورنا نحن ضمن هذا كله؟ في الحقيقة دورنا كأفراد قد يكون محدوداً نسبياً إن لم يتعد كونه ممارسات شخصية (سنذكرها لاحقاً) ليصبح أداة تغيير في سياسات الحكومات فهو لن يأتي بالنتائج المطلوبة. فلا يجب أن نخدع أنفسنا بالاعتقاد أنه إذا قام الجميع (كأفراد) باتباع أكثر الممارسات رفقاً بالبيئة فستحل المشكلة، فحقيقة الأمر أن المتسبب الرئيسي الأكبر في انبعاثات التغير المناخي هي الشركات متعددة الجنسيات العابرة للقارات؛ فعشرون شركة فقط تعمل في الوقود الأحفوري تتسبب في ثلث الانبعاثات العالمية، وإذا نظرنا للمائة شركة الأكثر انبعاثاً سنجد أنها تتسبب في ما يقارب نصف الانبعاثات العالمية المسببة لظاهرة التغير المناخي، وعلى الصعيد الاجتماعي أيضاً فإن الشركات العملاقة تلعب دوراً مهماً في دعم ممارسات مواجهة التغير المناخي المنبثقة من اتفاقية باريس حول تغير المُناخ. ولهذا كله فإن لم تتغير ممارسات الشركات متعددة الجنسيات العابرة للقارات بشكل جذري نحو تخفيض الانبعاثات وبشكل يحقق العدالة بين الدول والفئات المختلفة ضمن المجتمعات لن نستطيع الوصول لحل حقيقي وجذري.

بنفس الوقت لن يكون هناك حل واقعي وحقيقي لظاهرة التغير المُناخي دون العمل على المستويات كلها الدولي منها والمحلي، لكن هذا لا يعفينا من دورنا الشخصي الذي يمثل القوة الضاغطة لتغيير الكثير من السياسات والممارسات التجارية، ولا يتسع المقام لذكر كل الممارسات الواجب اتباعها على المستوى الفردي ولكن المواطن الأردني الواعي استهلاكياً يمكن في البداية أن يستهلك باعتدال وأن يستهلك ما يحتاج فقط، ويمكنه تجنب اللحوم المنتجة في مزارع تربية المواشي المكثفة واستبدالها بلحوم المراعي المفتوحة، وخصوصاً تجنب استهلاك اللحوم المستوردة من البرازيل على سبيل المثال لأنها تقوم بإزالة (وتحرق في بعض الأحيان) الغابات من أجل إقامة مزارع الماشية واستبدالها باللحوم من استراليا ونيوزيلندا حيث تتربى المواشي على المراعي مثل الماشية البلدية في بلادنا. وبشكل عام لا بد من تخفيف استهلاك اللحوم البقرية لأنها الأكثر تسبباً في انبعاثات التغير المُناخي مقارنة مع أنواع اللحوم الأخرى، ومحاولة الإكثار من تناول الأطعمة النباتية التي يزخر بها مطبخنا العربي، وتفضيل المنتجات العضوية لأنها أقل ضرراً على البيئة، والمشاركة في حملات زراعة الأشجار (التي تخفف من الانبعاثات في الجو)، واختيار الطريقة الأكثر استدامة في النقل مثل المواصلات العامة أو التشارك مع الزملاء في العمل في استخدام السيارة (أو وسيلة المواصلات) وعلى مستوى آخر اختيار السيارات الهجينة أو الكهربائية كبديل لسيارات الوقود الأحفوري. كما ولا بد من التوفير في استخدام الكهرباء من خلال اختيار الأجهزة الموفرة للطاقة والاعتناء بالعزل في المباني السكنية وبعض الممارسات الشخصية البسيطة كالتأكد من إطفاء الإضاءة في الغرف غير المستخدمة مثلاً، كما ويبقى خيار الاعتماد على الطاقة المتجددة في المنازل من أفضل الطرق لتخفيف الانبعاثات الفردية لكن بشرط تنفيذ كافة إجراءات كفاءة الطاقة في المنزل أولاً.

في الحقيقة إن حل مشكلة التغير المُناخي يتطلب تحقيق العدالة الاجتماعية وعدالة توزيع الثروة بالتوازي مع خفض الانبعاثات، فأي مبادرة محلية لا تنظر للأقل حظاً في التنمية ولا تراعي العدالة الاجتماعية لن تكون إلا محاولة حل المشكلة بالأسلوب الذي نتجت بسببه أساساً.

فالنظام الرأسمالي المادي لم ولن يأخذ بعين الاعتبار أي أبعاد اجتماعية وبيئية، ولذلك بات المطلوب نظاما اقتصاديا جديدا يسعى لتحقيق الازدهار والحياة الكريمة للبشر كأولوية وليس بالضرورة اتخاذ النمو كمؤشر لنجاح غاياته بل يمكن أن يكون المؤشر سعادة وبحبوحة العيش ورضا البشر (المادية والمعنوية) وصحة البيئة.

وبالطبع يجب وضع الأولوية لخفض الانبعاثات اليوم قبل غد على المستوى العالمي (العلماء ينادون بخفض محصلة الانبعاثات للصفر بحلول منتصف القرن)، ولكن في دول منطقتنا (كما في مناطق عدة) فإننا نعايش ونتعامل مع آثار التغير المُناخي الخطيرة (بما يعرف في الأوساط العلمية بالتكيف) وستبقى هذه الآثار موجودة لمدة طويلة ويمكن أن تتفاقم حتى لو تظافرت الجهود لوقف الظاهرة وخفضت الانبعاثات اليوم، بسبب طبيعة الغازات التي تبقى في الغلاف الجوي لعقود عديدة.

إن المتتبع للقضية عن قرب يدرك أن المشكلة ليست بيئية فحسب بل سياسية واقصادية بشكل أكبر، ولذا أي حل ناجح يجب أن يبدأ بتفكيك الأسباب الاقتصادية والسياسية لمواقف الدول ومن ثم إيجاد سبل توافقية تحقق العدالة للجميع.

وهنا يجدر بالذكر أن دولة مثل الأردن ليس لها تأثير كبير من حيث الانبعاثات ولكن يمكنها الاضطلاع بدور ريادي في المفاوضات واستخدام ثقلها السياسي إن أمكن ضمن اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية حول التغير المُناخي من خلال التحالفات التي يمكن تحقيقها للدول الأكثر تأثراً من الظاهرة والضغط على الدول صاحبة التاريخ الطويل في التسبب بالمشكلة.

*ناشط بيئي ومختص في التغير المناخي

مقالات ذات صلة

انتخابات 2020
44 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock