أفكار ومواقف

مِ الموسكي لسوق الحميدية



العنوانُ أعلاه مطلعُ أغنيةٍ لصباح، ذاعت في 1958 مع الوحدة المصرية السورية، ولأنني لا أنتسبُ إلى الجيلِ الذي استمع إليها في ذلك الزمن، استنجدتُ بالإنترنت فاستمعتُ إليها، فيما كنتُ أتابعُ بشغفٍ حلقات “شاهد على العصر” على “الجزيرة”، مع قائد الانقلاب العسكري السوري الذي أنهى الوحدة، عبد الكريم النحلاوي (85 عاما)، والذي بدا مدهشاً في الاستحضار من ذاكرته، وفي سرده المتماسك وهدوء نبرته، وفي مراكمته التفاصيل الدقيقة وبسطه حججه، وفي إيثارِه إيرادَ الوقائع على الشعارات. وذلك في شهادةٍ شديدةِ الاستثنائية، تتعلق بحوادثَ مضت، وبالعوامل الداخلية لإخفاق الوحدة الاندماجية المصرية السورية بعد ثلاث سنوات ونصف على إقامتها. وفي الوقت نفسه، تتصل جوهرياً بالحاضر والمستقبل العربيين، حين تدلل على وجوب تماسك مؤسسات الدولة، وعدم تداخل وظائف العسكر والسياسيين. وقبل ذلك وبعده، تؤكد أنّ علاقات الشعوب العربية ببعضها، مهما بلغ أوجُ المشاعر العاطفية والقومية في أثنائها، سريعةُ العطب إذا خدشتها فوقيةُ هنا ومكابرةٌ هناك.


رواية النحلاوي لمقدّمات تلك التجربة الوحدوية العربية ومسارِها ومآلِها مفيدةٌ، لمن يتحرر، عند تأمله في ذلك الحدث، من مُسبقاتٍ لها وطأتها في قناعاتٍ عربية شائعة. وسواءً كنّا من جيل أغنية صباح أو من جيل الانترنت، فجميعنا نحتاج إلى التخفف من ثقلِ قناعاتٍ عريضة، في هذه المسألة وغيرها، لا سيما وأنّ ثمّة من يُحيي ذكرى إعلان الوحدة، كما تمّ في بيروت والقاهرة والشارقة في شباط الماضي. وهذا محمودٌ وطيّب، إذا لم يكن غرضُه لعن مرتكبي “جريمة الانفصال”،كما راج في ذلك الحين، بل للتملّي في الأسباب التي جعلت ارتكاب أولئك، وبقيادة وتدبير عبد الكريم النحلاوي، ميسوراً. مفيدٌ أن يذهبَ درسُ تلك الوحدة إلى هذا المنحى، مع التقدير لمكانة جمال عبد الناصر ودوره القومي المضيء. وتشتدّ الحاجة إلى فائدةٍ كهذه، لانتعاش الإقليمية والطائفية والمذهبية في غيرِ بلدٍ عربي، ولأنّ تجزئة العراق مطروحة، وانفصال جنوب السودان غير مستبعد، ولأنّ الرئيس اليمني علي عبد الله صالح يقترح في قمة سرت مشروعاً للوحدة العربية، فيما مظاهرات الانفصاليين في جنوب اليمن شبه يومية.


حكى عبد الكريم النحلاوي كثيراً، عن ولع السوريين بعبد الناصر، إلى درجة التقديس أحياناً، ثم عن ممارساتٍ وأخطاء وخطايا في سنوات الوحدة القصيرة، وفاجأ شخصاً مثلي بأنّ ما قام به مع ضباطٍ زملاء له كان لتصويب أوضاعٍ معينة، بدليل بيانهم الأول صباح الانقلاب، وإبقائهم فيه حاكم الإقليم الشمالي (سورية) عبد الحكيم عامر في موقعه، وتسليمهم برئاسة عبد الناصر. وأخذتني تفاصيلُ مثيرةٌ رواها الرجل إلى جدالٍ شائق وساخن في رواية صديقنا الراحل زياد قاسم “أبناء القلعة”، إبان الوحدة والانفصال في محطة زمنية في الرواية، بين جورج الناصري المزمن وفارس القومي المتشكك في عبد الناصر. وعلى مبعدة 52 عاماً من كلّ الحكاية، أراني غيرَ قادر على حسمِ ما إذا كانت قناعةُ جورج بأنّ كل أخطاء الوحدة لا تبرر الانفصال صائبةً أم لا، وقد طرح مثلها، قبل أسابيع، محتفلون بذكرى توقيع شكري القوتلي وعبد الناصر اتفاقية الوحدة، الحدث الذي غنّت له صباح، من كلمات صلاح جاهين، أنها تعرف “السكة” مِ الموسكي لسوق الحميدية، وهما السوقان الشهيران في القاهرة ودمشق، وغنّى محمد قنديل أنه فوق الأهرام يرى قُدّامه بساتين الشام، وأن الوحدة “ما يغلبها غلاب”. … غلبها أحد ثعالب ذلك الزمن، اسمه عبد الكريم النحلاوي، اصطاده أحمد منصور وباغتَنا فيه، في دأبه على الانتقاصِ من جمال عبد الناصر ليس إلاّ.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock