قضايا

نابلس وانتفاضة الأقصى

د. جودت أحمد المساعيد

يحرص الناس في العادة، على توفير حاجياتهم العائلية اليومية بشكلٍ منتظم، حتى يضمنوا استمرار أنشطتهم الحياتية بصورة طبيعية لهم ولأفراد عائلاتهم. وهم يتجنبون في الوقت ذاته نقص هذه المطالب أو انقطاعها، حتى لا يواجهوا مشكلاتٍ تعمل على تعكير صفو العلاقات بينهم من جهة، أو أنها تؤدي إلى الحد من طموحاتهم الكبيرة في تحسين أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والصحية نحو الأفضل من جهةٍ ثانية. وتمثل هذه الحالة في الغالب، المؤشر الأنسب على الأمن الاستقرار، ليس على مستوى العائلة فحسب، بل وأيضاً على مستوى المجتمع ككل، الذي هو في الواقع ليس إلا عبارة عن أعدادٍ كثيرةٍ جداً من تلك العائلات، بحيث إذا نقصت هذه المطالب عندها، أو تمّ تهديد وجودها لأي سببٍ من الأسباب، انعكست هذه التصرفات سلباً على اتجاهات السكان نحو من يحول دون وصولها إليهم، ولو أدى ذلك إلى الانتفاضة القوية في وجههِ سلمياً أو عسكرياً أو كليهما معاً.
 هذا ما حصل بالفعل مع أهلنا في الضفة الغربية وقطاع غزة، عندما اقتحم زعيم الحرب الصهيوني (شارون)، باحات المسجد الأقصى، في الثامن والعشرين من شهر أيلول(سبتمبر) من عام 2000م، كي يتعدى بشدة على أهم حاجة من حاجيات الناس المعنوية اليومية ويغضبهم كثيراً، ولا سيما عندما قام بتدنيس المكان المقدس لإسراء النبي ومعراجه إلى السماوات العُلى، والذي تتم فيه تأدية الصلوات الخمس، ويعتبر أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين بالنسبة إلى المسلمين قاطبة، ما سارع في انطلاق الانتفاضة الفلسطينية الثانية آنذاك، والتي سميت فيما بعد بانتفاضة الأقصى.
لاقت تلك الانتفاضة صدىً واسعاً في كثيرٍ من مناطق العالم، حينما هبّت الشعوب العربية والإسلامية مؤيدةً لتلك الثورة الهادرة، على الجانب الذي أهان كرامتهم، وانتهك حرمة مقدساتهم، وضرب بعرض الحائط جميع القوانين والأنظمة والأعراف الدولية والإنسانية، وهو جانب الاحتلال الصهيوني لفلسطين أرضاً وشعباً.
 وكانت ردة الفعل من جانب جيش الاحتلال الصهيوني، تفوق حد الوصف في جرائمهِ وأعمالهِ الوحشية، ضد جميع من هبوا للدفاع عن هذا المكان المقدس بحناجرهم وصدورهم العارية. وقد أدى ذلك إلى استشهاد وجرح العشرات منهم حول المسجد الأقصى، ما دفع المفكرين إلى تسميتها بانتفاضة الأقصى، التي أعقبها تجاوب جميع المدن والبلدات والقرى الفلسطينية مع هذه الأحداث، إذ انتفضت بشدة ضد جميع هذه التصرفات البربرية.
 ورغم أن الضرر الشديد لحق بجميع المناطق الفلسطينية من بطش جيش الاحتلال، إلا أن ما أصاب مدينة نابلس بالذات كان هو الأشد على الإطلاق، إذ تم استخدام سلاح الطيران الحربي لتدمير بعض المواقع وعلى رأسها منطقة المقاطعة في الجزء الجنوبي من المدينة، حيث مقر محافظ نابلس وقوات الشرطة الفلسطينية، مما أدى إلى  قتل وجرح الكثيرين، بالإضافة إلى استخدام سلاح الدبابات والمدرعات، لقصف الأحياء المختلفة فيها بدون هوادة، وذلك بسبب المقاومة العنيفة من جانب أبطال جبل النار فيها.
ومما زاد الطين بلة، استخدام الصهاينة أسلوب الاجتياحات الشاملة للمدينة وعلى مدى عدة أسابيع  في كل مرة، مع تطبيق نظام منع التجول الصارم على السكان جميعاً، لمدة سبعة أو ثمانية أيام متتالية، مع السماح لهم بالتجوال لساعاتٍ محدودة لا تتجاوز الخمس ساعات، من أجل الحصول على بعض حاجياتهم الأساسية، مع التعطيل الكامل للدوائر والمؤسسات الحكومية والخاصة.
 وكم كنتُ أذهب للمحلات التجارية في أوقات السماح بالتجوال لشراء حاجيات المنزل الكثيرة، كي لا أجد في البقالات القريبة من المنزل سوى بقايا أصابع الشوكولاتة التي لم يستطع الكثير من الناس شراءها، وذلك نظراً لارتفاع ثمنها في ظل الظروف الاقتصادية المنهارة التي فرضتها قوات الاحتلال الصهيوني، مما كان يدفعني إلى شرائها، لعدم وجود أي مواد أخرى يمكن أكلها، حتى ضاقت علينا الظروف بشكلٍ لا يمكن احتماله، وخاصةً بعد انقطاع المياه عن المساكن تماماً بفعل تدمير بعض أنابيب المياه بجانب الشوارع، من جانب سائقي الدبابات الصهيوبية، من أجل زيادة معاناة السكان ومحاولة تركيعهم.
 ومقابل كل هذه الظروف القاسية، فقد ظهرت وسائل راقية من التكاتف  السكاني المذهل بين العائلات داخل العمارة الواحدة وأحياناً بين تلك العمارة والبناية أو البنايات المجاورة لها تماماً. فعلى سبيل المثال لا الحصر، كنتُ أعيش في عمارة (الإسراء) بمنطقة تسمى (المخفية) غرب مدينة نابلس وبالقرب من مباني جامعة النجاح الوطنية، وكانت تتألف من ست طبقات وأربعٍ وعشرين شقة، منها عشر شقق مغلقة لأن أصحابها يعملون في دول الخليج.
 وكان الرجال خلال منع التجول يجتمعون يومياً في مدخل العمارة معظم الوقت، كنا نتبادل خلالها الآراء ووجهات النظر في كل ما يدور من أحداث، ونطرح الأفكار أو الحلول المناسبة للحفاظ على حياة العائلات، في ضوء شُح المواد الغذائية، وبعد توقف أنشطة السلطة الوطنية الفلسطينية بسبب اجتياحات جيش الاحتلال. أما النساء فكن يجتمعن بشكلٍ دوري كل يوم في بيت إحداهن، للتداول أيضاً في الأمور المحيطة، مع تدبر أمر تأمين الطعام المشترك، وبأقل المقادير الممكنة، من أجل استمرار الغذاء البسيط، على أساس تطبيق الحكمة العربية القديمة التي  تقول: (قليل دائم خير من كثيرٍ منقطع).
 وكانت بعض العائلات احتاطت جيداً للأيام الصعبة عن طريق تخزين كميات لا بأس بها من المواد التموينية، وبشكلٍ أكبر من غيرها، في حين لم يتم إتاحة الفرصة لغيرها لأسبابٍ عديدة. وهنا كان التكافل الأخوي والاجتماعي قد وصل إلى القمة، وبخاصةٍ عندما شارف مخزون عائلات أخرى على النفاد، مما أدى إلى تحويل قسم من الأكثر إلى ذلك الأقل، بعد إشراف السيدات بالذات فعلياً على تطبيق سبل التكافل الغذائي المختلفة.
أما المشكلة الكبيرة جداً التي واجهتنا بعد ذلك، فكانت تتمثل في انقطاع المياه عن العمارة تماماً، بعد تدمير أنابيب المياه عمداً من جانب سائقي الدبابات  الصهاينة. وقد عمل هذا التصرف على جعل الحياة شبه مستحيلة، فما كان منا بعد فراغ خزانات الشقق المسكونة على سطح العمارة، إلا أن قررنا الاستفادة من خزانات مياه الشقق العشر المغلقة. ومما ساعدنا في هذا المجال، وجود رجل فني في الطابق الأرضي من العمارة يُدعى (أبو أحمد) الذي كانت لديه خبرة مهنية في التعامل مع هذه الأزمات. فما كان منه سوى أن استخدم أدوات السباكة لديه، بعد أن دخل إلى منور العمارة الضيق، وقام بفتح ماسورة الشقة الأولى ووصلها بخرطوم مياه بلاستيكي، وطالب قاطني العمارة بإحضار أوعية فارغة لتعبئتها بالماء، على أن يتم تطبيق مبدأ ترشيد الاستهلاك بدرجةٍ عالية، قبل انتهاء خزان مياه هذه الشقة والانتقال إلى الشقة المغلقة الثانية، وهكذا دواليك حتى الشقة العاشرة.
 وما أن نجحنا مؤقتاً بحل مشكلة انقطاع المياه تدريجياً، حتى ظهرت لنا مشكلة لا تقل عنها خطورة، وهي انقطاع التيار الكهربائي عن العمارة، بسبب ضرب دبابات الاحتلال الصهيوني لأحد محولات الكهرباء في مدينة نابلس، ما جعل الظلام الدامس يطغى على الجميع. وللصدفة العجيبة، أن إحدى العمارات المجاورة لعمارة الإسراء التي كنا نقطنها، كانت تتغذى بتيارٍ كهربائيٍ من مولدٍ آخر غير ذلك الذي تم تدميرة. فما كان من السيد (أبو أحمد)، إلا أن استخدم الخبرة والأدوات التي يملكها ويوصل العمارة بالتيار الكهربائي من جديد، ما ساهم في تخفيف معاناة العائلات وبالذات ممن لديها العديد من الأطفال.
ونظراً لحصول هذه الاجتياحات العسكرية خلال فصل الشتاء بالذات، حيث البرد القارس، فقد تعرض العديد من الأطفال إلى الرشوحات وأمراض الصدر المؤذية، مما زاد من حجم المعاناة. وقد استطعنا التغلب على هذه المعضلة عن طريق مهاتفة أحد الأطباء الاستشاريين الذي كان يقطن على بُعد عمارتين منا، والذي استعد بتوفير الأدوية من صيدليتهِ المنزلية، على أن يأتي أحد سكان عمارتنا لاستلامها. وقد لجأنا في هذه الحالة إلى إرسال أحد الأطفال من سن التاسعة، والذي كان يتصف بالجرأة الكبيرة، كي يقطع مسافة قصيرة من أجل إحضار العلاج والعودة بسرعة إلى العمارة، حتى عالجنا تلك المشكلة بحكمةٍ وروية. وقد سمعتُ بعد انتهاء فترة الاجتياحات ومنع التجوال، من كثيرٍ من الزملاء في عمارات ومناطق أخرى داخل مدينة نابلس، عن قصصٍ أخرى مشابهة من التكافل الاجتماعي منقطع النظير في زمن الشدة.
 وباختصار، فإن سكان  مدينة نابلس البطلة، كانوا أخوة متضامنين متكافلين، وبخاصةٍ في وقت الشدائد والمِحَن العظيمة مثل أيام انتفاضة الأقصى المباركة، كي يقوموا جميعاً بتطبيق مبدأ التكافل الأخوي بين العائلات الكثيرة، وبأجمل أشكالهِ وصُوَرهِ التي تليق بمثل هذه المواقف الصعبة، حتى لا يحققوا لأعدائهم ما يخططون له من أهدافٍ خبيثة يأتي في مقدمتها محاولة إركاعهم أو إجبارهم على القبول بالحلول التي تسلب أرضهم وحريتهم واستقلالهم بالقوة مهما بلغت غطرسة العدو وجبروته.  

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock