أفكار ومواقف

نار غزة والوحدة الإسرائيلية

 


المشهد السائد في إسرائيل بعد صدور تقرير لجنة الأمم المتحدة للتحقيق في جرائم الحرب، التي ارتكبتها إسرائيل في حربها على قطاع غزة، هو أن إسرائيل بأسرها، التقت مجددا حول موقدة النار التي أشعلتها في قطاع غزة، لتهاجم تقريرا، جاء ليؤكد مجددا أنها ارتكبت جرائم حرب ضد الإنسانية، وأن حربها كانت موجهة بالأساس ضد المدنيين.


والحرج الإسرائيلي كان كبيرا، وهذا انعكس في حالة الغضب التي برزت من خلال ردود الفعل التي تلت صدور التقرير، فلا يمكن هذه المرّة اتهام اللجنة ومن يقف على رأسها بما يسمى “معاداة السامية”، تلك المطية التي تستخدمها إسرائيل بهدف إسكات العالم على جرائمها، فرئيس اللجنة الدولية، وهو قاض في جنوب أفريقيا، ليس يهوديا فحسب، بل إنه كان رئيسا على مدى سبع سنوات لهيئة صهيونية، وهي منظمة “أورط” العالمية، وهو على تواصل مع إسرائيل، وكان في بلاده رئيسا لجمعية أصدقاء الجامعة العبرية في القدس المحتلة.


في اليوم التالي للتقرير، صدرت جميع الصحف الإسرائيلية، باستثناء صحيفة “هآرتس”، في محاولة لتهميش نبأ التقرير، وكان هذا بمثابة رسالة واضحة إلى الجمهور الواسع، وفرض جو من الاستهتار بالتقرير، وعدم الانتقاص من “معنويات” الجمهور، الذي يواصل عملية تطرفه اليميني، وكانت أقلام “صناع الرأي” شرسة إلى أبعد الحدود، لتدافع عن “أشرف وأرقى جيش عرفه التاريخ”، و”الجيش الأكثر أخلاقية في العالم”، كما يراه وزير الحرب إيهود باراك.


وعلى الرغم من ذلك، فإن بعض الكتاب “العقلاء” نصحوا بعدم الاستهتار بالتقرير، حتى وإن انتقدوه، محذرين من أنه قد يكون وثيقة مهمة لملاحقة كبار المسؤولين السياسيين والعسكريين، الذين شاركوا في اتخاذ القرارات السياسية والعسكرية، ولكن الأهم بالنسبة لهؤلاء، هو أن هذا التقرير “سيترك بصمات خطيرة في وعي الرأي العام العالمي”، كما قال أحدهم، وأضاف، أن المؤسسات الأكاديمية والحقوقية في أوروبا وغيرها، ستستند إلى وثيقة من هذا النوع، وليس إلى ما يقوله ساسة إسرائيل.


وكان صدور هذا التقرير مناسبة لإثبات التحولات الكبيرة التي تمر على الشارع الإسرائيلي في السنوات القليلة الأخيرة، هو أن المجتمع الإسرائيلي يتجه ليس فقط نحو اليمين، وإنما نحو اليمين المتطرف، ولم يعد بعد “الصوت البديل”، بين الأحزاب التي تدور في فلك السلطة، فاليسار الصهيوني، وعلى الرغم من محدوديته ومفاهيمه الصهيونية، إلا أنه كان يُسمع صوته في حالات كهذه، ولو متأخرا، فبداية تم القضاء على معسكر “الحمائم” في حزب “العمل” ليلحق بهذا تلاشي حزب “ميرتس”، الذي قارب على الاختفاء عن الحلبة السياسية في الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي جرت في العام الجاري.


أما اليسار المناهض للصهيونية، فهو أصلا مُحيّد ومنبوذ في الشارع الإسرائيلي، وحتى أن وسائل الإعلام الإسرائيلية تتجاهله وتبعده عنها، ليبقى صوته خافتا يدور في أوساط معينة، وليعاني من بيئة معادية له نظرا لمواقفه الجريئة.


وبالإمكان القول إن الهدف الأساسي من صيغة الرد الإسرائيلي على تقرير الأمم المتحدة، هو حماية الإجماع الصهيوني، وتدارك أي شرخ فيه، ومنع ظهور حالات خوف في صفوف العسكر من ملاحقات قضائية خارجية، إذ إن تقارير مشابهة حول نزاعات أخرى في العالم، قادت المسؤولين للمثول أمام المحاكم الدولية.


ولكن إسرائيل تبقى مطمئنة بأن هناك من سيحميها من رد فعل دولي رسمي، صادر بالأساس عن مجلس الأمن الدولي، فبذكاء واضح، يشير المحلل السياسي في صحيفة “هآرتس” ألوف بن، ليقول إن مصير هذا التقرير سيكون بيد الرئيس الأميركي باراك أوباما، “الذي قد يستخدمه سوطا ضد بنيامين نتنياهو لإلزامه بتجميد المستوطنات”، والكاتب ذاته يعرف أن عبارته هذه هي نسج من الخيال، في ظل موازين القوى القائمة، ونظرا لطبيعة العلاقات الاستراتيجية الإسرائيلية الأميركية.


barhoum.jaraisi@alghad.jo

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock