أفكار ومواقف

“نبال”.. ارتباط ما بين الجريمة والتسول

لا نريد التذكير بجريمة قتل الطفلة نبال، التي لم تتجاوز الرابعة من عمرها، رغم ما فيها من قذارة ودناءة، يلفظها المجتمع الأردني بأكمله، إلا أن هذه “الجريمة الوحشية”، توجب علينا، أفرادا ومؤسسات ومسؤولين، الاعتراف والإقرار بأنها ترتبط ولو بخيوط بسيطة، وإن كان غير ذلك، بظروف أسرية غير سليمة، الأمر الذي يتطلب التركيز أكثر على موضوع الحماية الاجتماعية، وخصوصًا للأطفال.
لا تجد، ولن تجد، أحدا يتعاطف مع مرتكب تلك “الجريمة النكراء”، رغم أنه حدث عمره نحو 17 عامًا، لهول ما قام به، لكن ما هو لافت للنظر أن الحدث المتهم “بحقه 6 أسبقيات” جلها تتعلق بـ”السرقة والتسول”، وهو أيضًا ما تشير إليه العديد من الدراسات بطريقة أو أخرى إلى أن أغلب الأحداث الجانحين هم نتاج لبيئاتهم الأسرية “غير السوية”، دفعت بهم إلى الانحراف.
فالتقرير الذي نشرته “الغد” حول ذلك، يوم الثلاثاء الماضي، للزميلة نادين النمري، يوضح أن الحدث دخل إلى “دور الرعاية” أكثر من مرة، إلا أنه “لم ينتفع من برامج الإصلاح والتأهيل التي تقدمها وزارة التنمية الاجتماعية”.
لا نبرر فعلة “نكراء حقيرة” كتلك، لكن يجب علينا أن لا نضع رؤوسنا في الرمال، بل يتوجب علينا أن نضع الإصبع على مكان الجرح، ونقر بأن برامج التأهيل غير كفؤة ولا تصلح لتأهيل المحكومين، وخصوصًا الأحداث منهم.
فالتقصير واضح للعيان، من جميع الأطراف المعنية، فبعض الأسر لا تهتم بشكل سليم بأبنائها وتربيتهم التربية الصحيحة ومراقبتهم ضمن حدود المعقول من غير تأثير على نفسياتهم أو شخصياتهم، إلا بحدود المنطق السليم. كما أن الأسر يتوجب عليها فرض رقابة صارمة على الطفل وإبعاده عن مشاهدة أفلام إباحية، لما لها من ارتباط بارتكاب جرائم جنسية في المستقبل.
كما أن الوزارات والمؤسسات المعنية، وبالأخص وزارة التنمية الاجتماعية وأذرعها المختلفة ومراكز الإصلاح والتأهيل، لا تقوم بواجبها على أكمل وجه ولا تؤدي دورها الذي وجدت من أجله بشكل صحيح، فيما يتعلق بالتأهيل المجتمعي والتعليم وخلق برامج من شأنها إفادة وحماية الأطفال بشكل عام تركز على توعيتهم، وخاصة أولئك المعرضين للخطر وحمايتهم من الانحراف في المستقبل.
الحكومة، التي تستغل كل ظرف أو قضية ما لفرض ضرائب جديدة، عاجزة عن زيادة موازنة صندوق المعونة الوطنية، الذي يمنح رواتب شهرية لا تتجاوز الـ180 دينارًا لأسر يتكون عدد أفرادها خمسة. إن ذلك المبلغ، الذي يقل بمقدار أربعين دينارا، عن الحد الأدنى للأجور، الذي هو بالأصل غير عادل، لا يكفي خبز وبعض حاجيات أساسية لأسرة تتكون من خمسة أفراد.
وقد يكون ذلك سببًا رئيسًا لكي يمتهن أفراد تلك الأسرة أو بعضها “التسول”، بكل ما تحتويه هذه “الظاهرة” من سلبيات، تعود آثارها السلبية على الطفل وأسرته وحتى المجتمع بأكمله، فالطفل الذي يقع في هذه “البؤرة”، يتعرض حتمًا لإساءات تؤثر سلبًا على شخصيته وتجعله يتجه نحو العنف بأشكاله، ناهيك عن أنه يصبح فريسة سهلة لأصحاب النفوس المريضة.
بعد كل هذه الأعوام، أيعقل أن لا يتم تطبيق خطة تكفي للقضاء على “التسول” أو على الأقل تقليل نسبة المتسولين إلى الحدود الدنيا.. فلا منطق ولا عقل يتقبل وجود فتاة لم يتجاوز عمرها الـ12 “تتسول” بعد العاشرة مساء في العديد من مناطق المملكة بلا حسيب أو رقيب.
الجامعات والمدارس يقع عليها أيضًا مسؤولية، فالأكاديميون والأخصائيون الاجتماعيون يتوجب عليهم عمل دراسات تخرج بنتائج قابلة للتنفيذ على أرض الواقع لمواجهة تلك المشكلة، أو لنعترف بأنها أصبحت “ظاهرة”، ومن ثم المساهمة بعمل برامج وقائية للفئات العمرية ما دون الثامنة عشرة من أعمارهم.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock