ترجمات

نتنياهو جسّد ديماغوجية غير نزيهة ومثيرة للانقسام.. وإذا رحل، فبئس المصير

جوناثان فريدلاند* – (الغارديان) 4/5/2021
على الرغم من أن الائتلاف الجديد الذي يتشكل في إسرائيل قد لا يتفق على الكثير من الأشياء، فإن سقوط رئيس الوزراء كان مستحقاً منذ وقت طويل.

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

  • * *
    ربما تنتهي قبل أن تبدأ. وأثناء قراءتك هذه السطور، ربما تكون قد شرعت في الانهيار مسبقاً. لكنَّ حكومة جديدة تم تشكيلها في إسرائيل، تؤدي إلى إزاحة الرجل الذي حكم تلك الدولة لفترة أطول من أي شخص آخر عن سدة السلطة. وقد سيطر بنيامين نتنياهو على السياسة الإسرائيلية في معظم ربع القرن الماضي: فقد انتخب لأول مرة كرئيس للوزراء في العام 1996، وحكم إسرائيل بلا انقطاع على مدى الأعوام الاثني عشر الماضية. أما الآن، وإذا تماسك الائتلاف الجديد -مع إذا كبيرة- فإن عهد بيبي، ملك إسرائيل، سيكون قد وصل إلى نهاية. وحتى لو أنها يجب أن لا تخالطنا أي أوهام بشأن ما سيأتي بعد ذلك، فإن هذا يشكل بحد ذاته سبباً للاحتفال.
    وهو أيضًا الهدف الوحيد المتحرك للحكومة الجديدة. وليس لدى الائتلاف المتنوع من الأحزاب التي تمتد من أحزاب المستوطنين إلى اليمين المتطرف، مروراً بالوسط وإلى اليسار الليبرالي -والتي تضم حزبًا إسلاميًا فلسطينيًا- أي شيء مشترك. ولا يمكن وصف هذا التحالف بأنه صقري أو حمائمي؛ يساري أو يميني: إنه ببساطة كتلة مناهضة لنتنياهو، تم تشكيلها لإرخاء أصابعه عن منصب رئيس الوزراء مرة وإلى الأبد.
    وسوف يحدث ذلك فقط إذا تمكن هذا التحالف من التماسك لفترة كافية لتمرير تصويت على الثقة في الكنيست، والذي قد يستغرق أسبوعًا أو أكثر. وهذه بالكاد صفقة ناجزة -ليس عندما يواصل أنصار نتنياهو مضايقة وتهديد أعضاء حزب “يمينا” المؤيد للاستيطان، والذي من المقرر أن يصبح زعيمه، نفتالي بينيت، رئيس الوزراء الجديد. وقد يخضع واحد أو اثنان منهم للضغوط والتهديدات بالقتل، وعندئذٍ سوف ينتهي الأمر.
    ولكن، حتى لو حدث ذلك، فلن تكون هذه اللحظة بلا قيمة. ولعل أهم عنصر فيها هو ضم حزب “راعم” الإسلامي إلى حكومة الائتلاف. ويكسر هذا واحداً من المحرمات في إسرائيل: إنها المرة الأولى التي يشارك فيها حزب حقيقي من الأقلية العربية في إسرائيل في حكم البلاد. وبطبيعة الحال، لم يكن يجب أن يكون هذا المحرم قائماً من الأساس وهو الذي أدى إلى استبعاد 20 في المائة من مواطني إسرائيل. لكن صورة منصور عباس المبتسم إلى جانب بينيت ومهندس التحالف، المذيع التلفزيوني السابق الوسطي وكاتب العمود الصحفي، يائير لابيد، ستكون لها قوة دائمة. ويوم الأربعاء، انتظر الإسرائيليون بينما كان السؤال حول من سيشكل حكومتهم يعتمد على مباركة مجموعة من رجال الدين المسلمين والقادة العاديين، المجلس الاستشاري لـ”راعم”. ولم يكن من الممكن تصوُّر مثل هذا السيناريو في يوم من الأيام. أما أن يكون قد حدث في بلد كان اليهود والعرب يتقاتلون فيه في الشوارع قبل بضعة أسابيع فقط، فشيء محير للعقل ومُشجع في الوقت نفسه.
    ومع ذلك، فإن أولئك الذين يتوقون إلى تغيير الوضع الراهن المروع، ووضع نهاية للاحتلال، أو حتى قطع خطوة صغيرة نحو تعايش إسرائيلي فلسطيني، ناهيك عن تحقيق المساواة، يجب أن لا يحبسوا أنفاسهم. فعلى المستوى الأيديولوجي، يُعد بينيت أكثر تشدداً من نتنياهو نفسه. وهو زعيم سابق للمستوطنين في الضفة الغربية ومؤمن منذ فترة طويلة بضم الأراضي المحتلة، وقال ذات مرة لصحيفة “الغارديان” إن قيام دولة فلسطينية لن يحدث أبدًا و”سوف يكون كارثة على مدى الأعوام الـ200 المقبلة” إذا حدث.
    وعلاوة على ذلك، يتفق معظم المحللين على أن نتنياهو كان، مقارنة بأسلافه، يتجنب المخاطرة إلى حد ما عندما يتعلق الأمر بالنشاط العسكري. ولم يكن يشعر بحاجة كبيرة إلى إثبات أوراق اعتماده الأمنية. ولن يكون افتراقاً عن النمط إذا تبين أن بينيت ولابيد سيكونان أكثر -وليس أقل- عدوانية، حتى لو كان ذلك فقط لتحدي ملاحظات نتنياهو الساخرة بأنه وحده “المدافع الحقيقي عن إسرائيل”.
    لكل هذه الأسباب، سيكون من الحكمة خفض سقف التوقعات. ومع ذلك، فإن رحيل نتنياهو يظل سبباً للابتهاج المشروط -بسبب كل ما فعله وكل ما يمثله.
    ولم يقتصر الأمر على أن بنيامين نتنياهو رسخ الاحتلال فحسب، وإنما جسّد أيضًا نزعة قومية عرقية ديماغوجية غير نزيهة ومثيرة للانقسام، والتي تردد صداها في جميع أنحاء العالم، من هنغاريا فيكتور أوربان إلى أميركا دونالد ترامب. وقد أظهرت هذه النزعة ازدراءً عميقاً للمعايير الديمقراطية ولأي تقييد للسلطة التنفيذية، وللحقيقة. وشوهت سمعة المنتقدين، وروجت للقراصنة والبلطجية والمحاسيب، وكانت فاسدة حتى العظم.
    ولك أن تشاهد فقط كيف ينتهي عهد نتنياهو -على ما يبدو- كما بدأ: بإثارة سفك الدماء. في أواخر العام 1995، وقف نتنياهو، زعيم المعارضة آنذاك، أمام التجمعات التي شجبت صانع السلام المحتمل، إسحاق رابين، باعتباره خائناً، مع رفع صور معدّلة تعرضه على أنه إرهابي فلسطيني أو ضابط نازي في قوات الأمن الهتلرية الخاصة. وقد ذهب رئيس جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي للقاء نتنياهو في ذلك الحين وحثه على تهدئة الأمور، ورفض نتنياهو طلبه. وسرعان ما مات رابين على يد متطرف يهودي. والآن يتم نشر بعض من تلك الصور نفسها ضد بينيت.
    كان “فرّق تسد” هو مبدأ نتنياهو المرشد، والذي يضع بتهور كل مجموعة ضد الأخرى. وفي انتخابات العام 2015، حشد أنصاره يوم الانتخابات من خلال تحذيرهم من أن مواطنيهم العرب يتجهون إلى صناديق الاقتراع “بأعداد كبيرة”. وقد نجح ذلك. وهذا العام، قام بمناورة لإدخال إيتامار بن غفير، وهو زعيم حزب عنصري متعصب بفكر ينتمي إلى العصور الوسطى، إلى الكنيست، لمجرد أنه اعتقد أن ذلك سيساعده على الاحتفاظ بالسلطة. ولا عجب في أن يشعر نتنياهو بالراحة مع أمثال أوربان، على الرغم من استخدام الزعيم الهنغاري عبارات ومجازات معادية لليهود.
    وقد هاجم نتنياهو أي مؤسسة هددت بمحاسبته، أو حتى بممارسة مراقبة لسلطته، واصفاً إياها بأنها جزء من نخبة يسارية مكروهة. وكانت اعتداءاته على استقلال القضاء مستمرة. وقام بتعيين موالين في مناصب المدعي العام ورئيس الشرطة (ولم يستطع إخفاء إحباطه عندما تصرفوا بحيادية)، وكذلك في منصب مراقب الدولة الذي كان مستقلاً سابقًا.
    وحاول عرقلة وسائل الإعلام، فقام بإغلاق محطة إذاعية حكومية اعتبرها غير موالية بما فيه الكفاية، وجعل أحد داعميه يقوم بإطلاق صحيفة يومية “برافدا إيسك” لتترنم بمدائحه. وعندما بدا أحد المنافسين في وضع يؤهله لتولي منصب الرئيس، الاحتفالي إلى حد كبير، في العام 2014، سعى نتنياهو إلى إلغاء المنصب تمامًا. وداس على المواثيق والمبادئ الديمقراطية القيمة، بما في ذلك تلك التي تنص على أن رئيس الوزراء الذي يواجه تهماً قانونية يجب أن يتنحى. وبدلاً من ذلك، تمسك بالمنصب حتى أثناء محاكمته في ثلاث تهم فساد رئيسية.
    بعد أن بقي في السلطة لفترة طويلة جداً، تسبب نتنياهو في تآكل إسرائيل من الداخل. ولن يحُلَّ استبداله بحكومة منقسمة للغاية بحيث لن تتمكن من فعل الكثير كلَّ مشكلة، لكنه سيحل مشكلة واحدة على الأقل، وهذه بداية جيدة.

*Jonathan Freedland: كاتب عمود في صحيفة الغارديان.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Netanyahu embodied dishonest, divisive demagoguery. If he’s gone, good riddance

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock