قضايا

نتنياهو غبي أم يتغابى؟

محمد شواهين

في آخر تصريحات لنتنياهو رئيس الحكومة الإسرائيلية الحالية، التي توصف باليمينية المتطرفة، يدّعي أن الدول العربية ترغب في التطبيع مع اسرائيل، حتى بدون توصل الى حل مع الفلسطينيين!
 الذي يعرف شيئا من أبجديات السياسة ، يعلم ان القضية الفلسطينية هي لبّ الصراع العربي الاسرائيلي ، وهي القضية التي تعيش في وجدان أبناء الشعوب العربية وضمائرهم.
على المستوى الشخصي زرت معظم الدول العربية ، والتقيت الكثير على كافة المستويات والصعد ، لم أجد ولم أسمع مواطنا عربيا واحدا ذكرا أم انثى ، شيخا أم طفلا ، يرغب في التطبيع مع اسرائيل ، قبل التوصل الى حل عادل للقضية الفلسطينية ، زد على ذلك أن الكثير منهم لا يرغب أصلا في التطبيع مع اسرائيل ما دام هناك جندي صهيوني واحد ، على أي بقعة من أرض فلسطين التاريخية من النهر الى البحر، لقناعتهم أن فلسطين كلها أرض عربية ، ليس للصهاينة أي حق شرعي في بوصة واحدة من أرضها الطهور.
 نتنياهو في تصريحه المتبجح هذا جانبَ الحقيقة والصواب ، معتمدا على ما يبدو على أمرين ، أولهما مجاملات على المستوى الرسمي ، مع بعض الأنظمة العربية ، التي اقتضت ظروفها الخاصة ، توقيع اتفاقيات سلام معه ، وكذلك مع دول عربية اخرى سمحت بافتتاح مكاتب أو ملحقيات تجارية اسرائيلية ، سمها كما شئت ، فثمة من اعتبر هذه  المكاتب نوعا من الاعتراف وبداية غير مشرفة للتطبيع! وعلى حد علمي أنه تم إغلاق هذه المكاتب أو معظمها بعد قيام قوات الجيش الاسرائيلي باجتياح مدن الضفة الغربية عام 2000 ، من المناطق التي صنّفت A، حسب اتفاقية اوسلو وملحقاتها ، على اعتبار أنها مناطق خاضعة للسلطة الفلسطينية إدارة وأمنا ، ولا يجوز للاسرائيليين عسكريين أو مدنيين الدخول اليها إلا بتصريح رسمي من الجانب الفلسطيني. وما نزال نذكر جيدا ان جرافات الجيش الاسرائيلي حينها ، وأثناء رئاسة شارون للحكومة ،  قامت بهدم المقاطعة في رام الله ، مقر الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات ، ولم تبقِ الا مكتبه الخاص وغرفة نومه.
 من الحقائق التي لا يمكن تجاهلها أنه على الرغم من مرور وقت طويل على اتفاقيتي كامب ديفيد مع الجانب المصري، ومن بعدها وادي عربة مع الجانب الأردني ، إلا أن الشعبين المصري والأردني وبنسبة كبيرة ، ما يزالان رافضين التطبيع مع الجانب الاسرائيلي الذي يواصل الاستيطان كما يماطل في التوصل إلى حل نهائي مع الجانب الفلسطيني، فما بالك بالشعوب العربية الأخرى، لا سيما البعيدة عن حدود اسرائيل.
أما الأمر الثاني فهو حالة الضعف والتردي العربيين ، فليس بخاف على أحد انشغال انظمة عربية بشؤونها الداخلية التي لا تسر صديقا ، ولا يتسع المجال للخوض في هذا الشأن بمزيد من التفاصيل التي باتت معروفة للداني والقاصي.
 من هنا يتبين جليا ان بنيامين نتنياهو واهم إذا اعتقد ان السلام الرسمي مع الحكومات ، يغنيه عن السلام مع شعوب هذه الحكومات، فسلام الحبر والورق معرض للانهيار في أي وقت ، والسبب هو المواقف المتعنتة من قبل حكومات اسرائيل اليمينية المتطرفة  التي ترغب بالاحتفاظ بالأرض والسلام معا ، وليس في نيتها إعادة الضفة الغربية الى اهلها الشرعيين، والدليل على ذلك هذا الاستيطان التغولي على الأرض الفلسطينية في القدس والضفة.
في أحد المؤتمرات التي يعقدها اتحاد السلام العالمي Universal Peace Federation وهو منظمة غير حكومية، كنت قبل عامين مشاركا نيابة عن جمعية منتدى العدالة والسلام الأردني، التي اتشرف برئاستها، في مداخلة لي أثناء جلسات المؤتمر ، شرحت للمؤتمرين أن مدينة القدس الشرقية ، كانت العاصمة الدينية للمملكة الاردنية الهاشمية ، قبل احتلالها في الخامس من حزيران لعام 1967. المندوب الاسرائيلي بكل وقاحة ذكر انهم قاموا بتحريرها وليس احتلالها، فكان ردي ان لا يستغرب اذا ما سمع من جماهير غفيرة من الأمة العربية ، من يضع نصب عينيه تحرير يافا وحيفا واللد والرملة وحتى تل ابيب ، ما دام هذا الفكر الاسرائيلي التوسعي المتطرف قائما ومعشعشا في أذهانهم.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock