ترجمات

نتنياهو وحملة الضمّ

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

بينوي كامبارك* – (كاونتربنتش) 10/7/2020
سوف يتركز الاهتمام في البداية على الاحتجاجات الفلسطينية، ومصير السلطة الفلسطينية، وتهديدات الدول العربية بقطع “العلاقات المتبرعمة” مع إسرائيل أو فرض عقوبات عليها من قبل الدول الأوروبية. لكن “العواقب” مع ذلك، تعِد بأن تكون “سامة للدولة اليهودية”. لن يقتصر تنفيذ الضم على انتهاك القانون الدولي وانتهاك الحقوق الفلسطينية فحسب، بل إنه سيسمم أيضاً تلك المياه المضطربة مسبقاً التي تغذي الدولة، ويؤثر على الديمقراطية حتى بينما يتسبب بعزل إسرائيل. وسوف يصبح نادي المعجبين بإسرائيل المتضائل مُسبقاً أكثر صغراً.
* * *
مصادرات الأراضي، وعمليات الضم، والاحتلال. كانت هذه الكلمات دائماً بديهية ملازمة لدولة إسرائيل. بشكل عام، حافظت الدولة على موقف غير مريح قائم على أساس الصبر والاستنزاف: لقد انتظرنا كل هذه المدة؛ وسوف ننتظر وقتاً أطول. لا يهم أن الفلسطينيين محرومون من تحقيق أمانيهم وتطلعاتهم إلى الاعتراف بدولة لهم، أو ما يوصف بشكل فضفاض بأنه اعتراضات “المجتمع الدولي”؛ إن لدى إسرائيل قوة إمبريالية باقية. ما عليك سوى أن تتحلى بالصبر فحسب، وسوف يهدأ الغضب من إساءة المعاملة التي يلاقيها الفلسطينيون.
إنها هذه القوة الباقية هي التي تتولى أمر الملاحة لعبور التحذيرات الواهنة في الغالب بخصوص القانون الدولي، التي تضج بها موجات الأثير وحركة المرور الدبلوماسية. وسواء كان الأمر يتعلق بشرعية المستوطنات الدولية، أو بالهجمات على الدول ذات السيادة والتي لم تحصل على الغسيل الذي يمنحها الشرعية من مجلس الأمن الدولي، أو امتلاك إسرائيل الأسلحة النووية -كل هذا يُستهجَهن ويُدان، فقط ليتم استيعابه وتحويله إلى مراسم للشرعية. قد تتم إدانة إسرائيل وتوبيخها، ولكن لن يأتي أي شيء آخر من هذا. سوف تستمر لعبة المفاهيم الدلالية، والتي تشكل قناعاً تختفي خلفه ممارسة القوة الغاشمة.
هذا النمط يهدد بإعادة تأكيد نفسه في التحذيرات الأخيرة التي وُجهت إلى وعد رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بضم أجزاء من الضفة الغربية. وما يزال الجدول الزمني لهذا التأكيد العضلي لقضم الأرض غامضًا. ويهدف إلى أن ينطبق على المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية وغور الأردن اعتبارًا من هذا الشهر.
يبدو هذا الوعد، على الورق، متهوراً، وأحمق، ومدمّراً -وهذه مجرد البداية. وقد حذر بيني غانتس من أنه لا يوجد سبب وجيه لاتخاذ مثل هذا الإجراء، نظرًا لأزمة فيروس كورونا والعلل الاقتصادية التي يواجهها البلد. لكن كل أزمة، بالنسبة لنتنياهو، تحتاج إلى عنصر إلهاء، حتى لو كان هذا الإلهاء يشكل أزمة أخرى في ذاته.
بذلك، تختلف التفسيرات للمحركات الكامنة وراء هذا الضم. وترى وجهة النظر التي تركز على “الإرث” أن نتنياهو يريد أن يترك شيئًا يتم يتذكره به. ويتأمل ديفيد هورويتز هذه الفكرة بعمق: “هل قرر نتنياهو أن هذا هو الشيء الذي سيكون إرثه -اعتباره الزعيم الإسرائيلي الذي أعاد بشكل رسمي وصل إسرائيل الحديثة بشكل دائم بأراضيها التوراتية التكوينية؟ حسناً، ربما”. ثم تأتي تلك الأسباب التي يقترحها علم النفس (اجعل الناس منشغلين بشيء آخر بدلاً من التركيز على محاكمة الفساد)، والأيديولوجيا (ذلك التوسعي المألوف الذي يساعده اليمنيون في واشنطن).
تتحدث الحكومات الأجنبية المختلفة بكلمات قوية عن هذه النقطة، لكنّ من غير المحتمل أن تؤثر على حسابات الميزانية العمومية لخلاصة الاعتبارات. ذلك أن تكتيكات نتنياهو في التعامل مع الفلسطينيين تميل إلى أن تكون مبنية على الاعتبارات الداخلية، وتخفف من كثافتها الرياح القادمة من واشنطن. وتميل تلك الرياح إلى أن تهب بود لصالحه. في العام 2017، اعترفت إدارة ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل، على الرغم من أنها اعتصمت بالغموض في ما يتعلق بنطاق السيادة. وأعطت خطة السلام التي وضعها الرئيس دونالد ترامب نتنياهو الكثير من الثقة لإهانة الفلسطينيين وازدراء منتقديه. وكما أوضح لرئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، فإن “إسرائيل مستعدة لإجراء مفاوضات على أساس خطة السلام التي وضعها الرئيس ترامب، التي هي خلاقة وواقعية في نفس الوقت، ولن تعود إلى الصيغ الفاشلة للماضي”.
أوفت القوى الأوروبية بحصتها من الضجيج؛ فوعد جوزيف بوريل، مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، في شباط (فبراير) بأن الضم، إذا تم تنفيذه “لا يمكن أن يمر من دون اعتراض”. لكن معارضة الاتحاد الأوروبي لهذا الإجراء تتخذ تجليات مختلفة. لن تقبل ألمانيا، على سبيل المثال، بفرض عقوبات اقتصادية على إسرائيل -وهو الإجراء نفسه الذي تحث الشخصيات الفلسطينية، مثل صائب عريقات، على اتخاذه.
في 7 تموز (يوليو)، اجتمع وزراء خارجية مصر وفرنسا وألمانيا والأردن لإصدار تحذير مشترك. وقال البيان: “نحن متفقون على أن أي ضم للأراضي الفلسطينية المحتلة في العام 1967 سيكون انتهاكاً للقانون الدولي ويعرّض أسس عملية السلام للخطر”. ومضى الوزراء إلى أنهم “لن يعترفوا بأي تغييرات على حدود 1967 والتي لا يتم الاتفاق عليها من قبل طرفي النزاع”. وقالوا أن اتخاذ مثل هذه الخطوات “ستكون له عواقب وخيمة على أمن واستقرار المنطقة، وسيشكل عقبة رئيسية أمام الجهود الرامية إلى تحقيق سلام شامل وعادل”. وبُذلت محاولة لجعل البيان أكثر حدة: “ويمكن أن يكون لها أيضاً عواقب على العلاقة مع إسرائيل”.
وكان قارئو البخت حاضرين أيضا في منشورات مثل “فورين بوليسي”. هناك، يدعي كل من فيليب جوردون وروبرت مالي بأن حملة الضم هذه “لن تؤدي إلى كارثة”. سوف يتركز الاهتمام في البداية على الاحتجاجات الفلسطينية، ومصير السلطة الفلسطينية، وتهديدات الدول العربية بقطع “العلاقات المتبرعمة” مع إسرائيل أو فرض عقوبات عليها من قبل الدول الأوروبية. لكن “العواقب” مع ذلك، تعِد بأن تكون “سامة للدولة اليهودية”. لن يقتصر تنفيذ الضم على انتهاك القانون الدولي وانتهاك الحقوق الفلسطينية فحسب، بل إنه سيسمم أيضاً تلك المياه المضطربة مسبقاً التي تغذي الدولة، ويؤثر على الديمقراطية حتى بينما يتسبب بعزل إسرائيل. وسوف يصبح نادي المعجبين بإسرائيل المتضائل مُسبقاً أكثر صغراً.
في كل هذه الضجة العنيفة، قد يكون هناك أيضاً جانب آخر: الخداع الصرف. ويحب نتنياهو في كثير من الأحيان أن يزعم في محاولته تخفيف الاهتمام بتهمه الجنائية، أنه “ليس هناك شيء لأنه ليس هناك شيء”. ويبدو أن زعيم المعارضة الجديد في إسرائيل، يائير لابيد، غير مقتنع بخطط الضم ببساطة، ويحيلها إلى سلة مليئة مسبقاً من الخداع السياسي. أما نفتالي بينيت، من حزب “البيت اليهودي”، فأكثر مباشرة: “عندما أرى نتنياهو يتحدث عن هذا في كثير من الأحيان، فإنني أصبح أكثر اقتناعاً بأنه لن يفعله. إذا كنت تريد أن تفعل شيئاً، فافعله”.

*كان باحثًا في الكومنولث في كلية سلوين، كامبريدج. يحاضر في جامعة RMIT، ملبورن.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Netanyahu’s Annexation Drive

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock