آخر الأخبار حياتناحياتنا

“نجمك خفيف”.. حينما “يتعايش” الإنسان مع مخاوفه ويرفض مواجهتها

تغريد السعايدة

عمان – “فلان نجمه خفيف.. لا يتحمل سماع قصص الرعب، يخفق قلبه بسرعة ويشعر بالدوار والقلق والتوتر”، تلك بعض من حالات يتصف بها أشخاص سريعو التأثر ويتملكهم الخوف المبالغ به. منهم من يُصاب بحالة نفسية تعزله عن العالم خوفاً من التعرض لمواقف تؤثر في حياته.

قصص يتبادلها الكثيرون في جلساتهم وأحاديثهم عن مواقف جعلتهم يشعرون أنهم من ذوي “النجم الخفيف”، وذلك بناءً على تبعات تلك المواقف التي وقعوا فيها، كما تقول أم لين، حيث كانت لا تحتمل ان تشاهد منظر “الدم”، وما إن تشاهد قطرات منه أو حتى مقاطع وصور عبر الشاشات حتى تشعر بالدوار والخوف بطريقة غير “منطقية” على حد تعبيرها.

تقول ام لين ان كثيرين برروا لها ذلك بأن “نجمك خفيف”، وانها من الأشخاص الذين يتأثرون بكل شيء وبحاجة لكسر هذه الخوف بطريقة الصدمة فيما يتعلق بمنظر الدماء، كأن تشاهد موقفاً لـ”ذبح خروف” بشكل متعمد على أمل ان ينتزع هذا الخوف والرهبة من جانبها وتتخلص من تلك العقدة النفسية التي ما تزال تشعر بها لغاية الآن.

ومن القصص الأخرى التي تحدثت بها والدة سارة ذات الثمانية أعوام، أن طفلتها تتخيل أشياء كثيرة في محيطها، وعادةً ما تكون مشاهد غير حقيقية من نافذة المنزل، أو انها تشعر بوجود شيء ما على سريرها، أو أنها تصاب بنوبات بكاء مستمرة بسبب خوفها من أمور بسيطة.

والدة سارة حاولت أن تتنبه لهذا الأمر، ولم تترك الأمر بشكل عشوائي، وانما حاولت أن تتعاون مع المرشدة التربوية في المدرسة لكي تتحاور من طفلتها ومعرفة ما إذ كانت تتعرض للتنمر من قِبل زملائها، أو أنها تتبادل معهم أحاديث فيها نوع من التخويف والتهويل للقصص التي يتحدثون بها. واكتشفت أن ابنتها تشاهد الكثير من تلك المقاطع المرعبة، وتنعكس مخيلتها الطفولية بأن ما تراه يمكن أن يتحقق على واقعها.

ومن منظور الوالدة، فإن ابنتها تعاني من هذا الأمر بسبب “نجمها خفيف” وهو معتقد مؤكد لديها وحاولت تخليصها من ذلك من خلال الرقية، ومنعها من مشاهدة تلك المقاطع والتركيز على الأشياء الطفولية المرحة، حتى تتخلص من هذا الخيال السلبي. ولكن تؤمن والدة سارة بأن “الشخص الذي يتصف بأن نجمه خفيف هو أمر لا يمكن التخلص منه ويستمر لسنوات طويلة.

الاستشاري والاختصاصي النفسي الدكتور أحمد الشخانبة يؤكد أن كل الأسس التربوية والنفسية تشدد على أهمية عدم اتباع اسلوب تخويف الأطفال ورزع الرهاب في نفوسهم مهما كانت أعمارهم، خاصة في كلمات التخويف المعتادة من الحيوانات او “الوحش” أو الظلام، وكذلك من الأرواح.

ووفق الشخانبة، فإن هناك من يقوم برواية بعض القصص المرعبة عن الأطفال بحضورهم، وهذا يبني حاجز من خوف الكبير لديهم، وهو أمر مرفوض جملةً وتفصيلا، سواء من ناحية علمية أو نفيسة وتربوية، بالإضافة إلى مشاهدة الأفلام المرعبة والتي تحوي مشاهد لا تناسب الأطفال، وأحياناً الكبار كذلك.

ولكن، في حالة أن الطفل كان لديه مخاوف مختلفة، مما تم ذكره سابقاً، فإن الشخانبة يوصي بأهمية اتباع طريقة مناسبة للعلاج، وهي “المواجهة”، وبما يُطلق عليه علمياً بـ”العلاج بالتعريض”، فعلى سبيل المثال، الطفل الذي يخشى ركوب المصعد يتم اقناعه بتجربة هذا الأمر حتى تنكسر لديه تلك الرهبة ويصبح أمر طبيعي لديه قبل أن يتفاقم الأمر لديه.

والخوف بكل أشكاله هو شعور إنساني طبيعي، وفي علم النفس، وكما جاء في المراجع النفسية، يُعرف بأنه شعور وردة فعل تصيب الإنسان عند تعرضه لموقف أو شيء ما يُشعره بالخطر، ويعتبر شعورا صحيا ويساعد على أن يبقى آمناً وحذرا ويحمي نفسه، ولكن عندما يزداد الأمر عن حدوده المنطقية، يعتبر “رهابا” وفوبيا وحالة نفسية معقدة”.

تلك المعتقدات ترتبط ارتباطا كبيرا بالحالة النفسية والجانب التربوي للأسرة الذي يؤثر في معتقدات وأفكار الأبناء منذ الصغر حتى مرحلة متقدمة من العمر، ومن هنا ترى الاختصاصية التربوية الدكتورة سعاد غيث أن الآباء عندما يبررون مخاوف الأطفال بطريقة خاطئة، فإنهم يوفرون لهم ذريعة ومبررات، وهذا أمر غير صحي، حيث إن الإنسان بطبيعتة الفطرية يخاف من السقوط وفقدان الاتزان ويكون لدى الأطفال الذين يبدأون بمحاولة المشي، والخوف الآخر وهو من الأصوات المرتفعة والمفاجئة، والتي يشعر بها الجسم بالانتفاض وهذه أمور فطرية.

وعدا عن هذين النوعين من المخاوف الفطرية، فإن كل مخاوفنا الأخرى متعلمة ومكتسبة، والأصل ان ينعم الإنسان ببيئة آمنة، فالتربية السليمة تولد الثقة في نفس الفرد ليستكشف البيئة من حوله.

وتؤكد غيث أن تخويف الطفل امر في غاية السوء، فذلك لا يساعده على الانطلاق في الحياة، كما أن الخوف والقلق قد يسببان الامراض والاضطرابات النفسية، بالتالي من واجبنا كآباء اتجاه ابنائنا ان نصرف عن اذهانهم فكرة الخوف.

الى ذلك، توفير البيئة الآمنة والداعمة للتعبير ومعالجة المخاوف التي قد تكون بعضها متخيله والسماح للصغار بأن يعبروا عما يدور في دواخلهم، وبعد ذلك اشعارهم بالطمأنينة والدعم والحماية، وفق غيث.

كما أن ثقافة الانهزام والاستسلام، تجعل من الشخص اسيرا لمثل هذه المخاوف ولا يتحرر منها، فتكون النتيجة انه يخاف عندما يكبر ان يتخذ قرارات فيها نسبة من الخطأ، ويفضل الامان على حساب القرارات التي تحتاج شيئا من المغامرة مثل السفر او علاقات جديدة، فتصبح حاجته الأساسية انه يكون في مأمن، وإن طغا ذلك على أي حاجة أخرى يمكن أن توفر له نوعية حياة افضل.

وتؤكد غيث ان مثل هذه الأمور والتسليم بها بأن فلان “نجمه خفيف” كما يسميه البعض، من شأنه كذلك ان يجعل الفرد منغلقا على الآخرين وقد تتأثر صحته النفسية سلبا. ويبقى الآباء مسؤولين عن اغلاق منابع الخوف في النفوس، كذلك المعلمين والجهات الإعلامية وكل ما يحيط بعالم الطفل.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock