فنون

نجيب الريحاني ..عبقرية السخرية وبساطتها

        اعداد: جمانة مصطفى


     “سي نجيب الريحاني” الضاحك الباكي، الذي استطاع أن يتربع على عرش كوميديا الموقف في السينما المصرية حتى هذه اللحظة، واستطاع ببساطته ونبرة صوته المنكسرة، وملامحه الساخرة الحزينة أن يشكل مدرسة في التمثيل، فهل اختلط “الحزن العراقي” بـ”خفة الدم المصرية” ليشكلا واحدا من عباقرة كوميديا السينما.


     لم يتصور أحد ان الطفل “نجيب” مواليد 1889الذي بدت عليه أعراض الانطوائية في مرحلة دراسته الابتدائية، سيكون ذا شأن في مضمار الفن المسرحي. عندما اكمل تعليمه بدا واضحا في سلوكه شيء من السخرية .. لكنه كان يسخر بخجل ايضا، وعندما نال شهادة البكالوريا، كان والده قد تدهورت تجارته فاكتفى بهذه الشهادة وبحث عن عمل يساعد به اسرته. وكان مولعا بأمه اشد الولع، وتعلم منها الكثير، وكانت هي الاخرى شديدة السخرية امام ما تشاهده من تناقضات اجتماعية.


شارع عماد الدين


       التحق الريحاني في العام 1910 بوظيفة كاتب حسابات بشركة السكر بنجع حمادي بالصعيد. وهذه الشركة كانت ملكا خالصا للاقتصادي المصري «عبود باشا» والذي انشأ عدة شركات في مجالات مختلفة. على غرار شركات مصر التي انشأها زعيم الاقتصاد المصري في ذاك الوقت طلعت حرب.


       استقال الريحاني من الوظيفة التي كان يتقاضى منها ستة جنيهات في الشهر وهو مبلغ لا بأس به في ذاك الوقت، وعاد الى القاهرة ليجد ان الامور قد تبدلت واصبح الحصول على عمل في حكم المستحيل. واصبحت لغته الفرنسية التي يجيدها غير مطلوبة بعد أن أمست لغة ثانية في وقت الاحتلال الانجليزي.


        وفي يوم قادته قدماه الى شارع عماد الدين الذي كان يعج آنذاك بالملاهي الليلية. وتقابل مع صديق له كان يعشق التمثيل واسمه محمد سعيد وعرض عليه ان يكونا سويا فرقة مسرحية لتقديم الاسكتشات الخفيفة لجماهير الملاهي الليلية.


         بدأ الصديقان ببعض “الاسكتشات” الضاحكة لمرتادي الملاهي من عرب ومصريين وايضا للانجليز، إلا أن هذه الاسكتشات لم ترض طموح نجيب الريحاني. فعرض على محمد سعيد ان تكون هناك فرقة مسرحية على غرار فرقة جورج ابيض، وفعلا تم لهما ذلك. وبدآ يبحثان عن نص مسرحي جيد. الأمر الذي تصادف مع انتشار اخبار(ريا وسكنية) التي ملأت الصحف بعد القبض عليهما، فاقترح محمد سعيد على الريحاني ان يكتبا بنفسيهما مسرحية عن هاتين السفاحتين. وبعد ان اصبح النص المسرحي جاهزا عرضاها على المخرج الكبير عزيز عيد وعرضا عليه النص حيث اجرى عليه بعض التعديلات.


         العقبة الرئيسية كانت ايجاد ممثلتين تؤديان دوري ريا وسكينة، في ذلك الوقت كانت من تعمل في التمثيل كأنها ارتدت عن ديانتها وخرجت عن التقاليد والاعراف الاجتماعية، ليس بالنسبة للفتيات فقط ولكن بالنسبة للرجال ايضا، حيث كان الممثل او الممثلة لا يؤخذ بشهادته في المحاكم او المقار الرسمية وكان يطلق عليه لقب «مشخصاتي». لكن لحسن الحظ تم العثور على فتاتين لا مانع لديهما من التمثيل.


         تم تجهيز المسرحية واجراء البروفات ولعب نجيب الريحاني فيها دور “حسب الله”، وعرضت المسرحية. وعندما ظهر على المسرح نجيب الريحاني وقال اول جملة سمع ضحكات صاخبة من الجمهور بشكل لم يكن يتوقعه كون المسرحية من النوع التراجيدي المأساوي. وكلما كان يتكلم يضحك الجمهور حتى افسد المسرحية تماما وبعد اسدال الستاره، قال نجيب الريحاني قولته المشهورة آنذاك “سأبكيكم من الضحك انشاء الله” وانفصل عن محمد سعيد بعد ذلك واختلى بنفسه طويلا، حتى هداه تفكيره الساخر لشخصية “كشكش بيه” غني الحرب القروي الذي ترك القرية بعد أن باع القطن وجاء الى القاهرة لتبهره انوارها.


الدنيا لما تضحك


       استمر بتقديم هذه الشخصية لسنوات وربح مالا كثيرا، حتى التقى بتوأمه الفني بديع خيري، الذي كان يجيد الفرنسية ايضا، وكانا يقضيان وقتهما على مقهى ماجستيك او المقهى التجاري، ارتبط الثنائي سويا بصداقة متينة تولدت عنها افكار جديدة.


        وبدأ الاثنان يبحثان عما يقدمان للجمهور حتى يبكيانه من الضحك، وكان بديع خيري مطلعا بشكل جيد على المسرح الفرنسي وخاصة مسرحيات موليير الساخرة،  فاقتبس من مسرحياته مسرحية “الشيخ متلوف”، وكونا سويا فرقة مسرحية تحت اسم “مسرح الريحاني” واسسا مقرا له بشارع عماد الدين، وكان ضمن افراد فرقته “حسن فايق” و”حسين رياض” و”استيفان روستي” الذي تولى الاخراج بعد ذلك، بالإضافة إلى “محمد كمال المصري” شرفنطح و”ماري منيب” و”سراج منير” الذي اخرج له ثلاث مسرحيات.


       كذلك شارك في الفرقة “محمد الديب” والمنولوجست “سيد سليمان” وعهد الى “طلعت حسن” بإدارة الفرقة، ثم انضمت لاحقا الى الفرقة الفنانات “ميمي شكيب” زوجة “سراج منير” وشقيقتها “زوزو شكيب” والفنانة “جمالات زايد” التي تزوجها الفنان “محمد الديب” بعد ذلك.


وتوالت اعمال الريحاني فقدم المسرحية ثم الاوبريت، وفي ذات الوقت ذاع صيت سيد درويش، وظهر منافسه الأخطر الفنان علي الكسار، وفي نفس الخط الكوميدي قدم علي الكسار مسرحية بعنوان “اش” فرد عليه نجيب الريحاني بمسرحية اسمها “ولو”، الأمر الذي تزامن مع بدايات مسرح يوسف وهبي على مسرح رمسيس الذي كان يقدم التراجيديات والمأساة.


       كاد البساط أن ينسحب من تحت اقدام الريحاني وتنبه الريحاني لذلك، فقدم مسرحا كوميديا اجتماعيا جادا. الأمر الذي أعاده لقمة المسرح الكوميدي، حيث كان يحس نبض الشارع المصري ويعرف كيف يجذبه الى مسرحه. فقدم مسرحية “الدنيا لما تضحك” .


قدم الريحاني مع بديع خيري ثلاثا وثلاثين مسرحية اهمها، ” الجنيه المصري” “الدنيا لما تضحك” “الستات مايعرفوش يكذبوا”  “حكم قراقوش” “استني بختك” “لعبة الست” “الرجاله ما يعرفوش يكذبوا” “اوبريت العشرة الطيبة” “الدنيا بتلف” وفي النهاية مسرحية “الا خمسة” التي قدم فيها دور “سليمان” المحامي المفلس الباحث عن كنز في قصر تتحكم في شؤونه عجوز تركية تعيش في الماضي.


      هذه المسرحية الاخيرة كانت فعلا الاخيرة في حياة نجيب الريحاني وحياة الفنان عادل خيري الذي قدمها بعده، فقد عرضها نجيب الريحاني لخمسة ايام فقط ثم فارق الحياة بعد ذلك، وايضا قدمها الفنان عادل خيري خمسة ايام فقط ثم فارق الحياة بعدها، ولم يقدمها أحد بعدهما حيث انتشر في الوسط أنها مسرحية مشؤومة.


محب وعنيد


       كان عشق نجيب الريحاني ان يقدم على المسرح مواقف سوء التفاهم، إذ كان يجيد صنع الموقف الذي يفجر الضحك كما جاء في فيلم “غزل البنات” عندما ظن ان الخادم الذي جاء ليقدم له القهوة هو الباشا. ثم ظن المسؤول عن الكلب هو الباشا. ثم ظن الباشا البستاني.


       كما كان يتقن تغليف حوار مسرحياته ببعض الانتقادات السياسية فبعد ان بسطت اميركا هيمنتها على الاقتصاد العالمي عقب الحرب العالمية الثانية، قال في احدى مسرحياته للفنانة زوزو شكيب “التفاح اللي في خدودك يبص على التفاح الاميركاني ويقول له يا سم”، كذلك تسبب انتقاده للنظام السياسي السائد في مصر في مسرحيته “حكم قراقوش” إلى اغلاق مسرحه لمدة ثلاثة اشهر وعندما عاد وافتتح مسرحه مرة ثانية قدم نفس المسرحية بنفس ابطالها وحواراتها، إذ كان عنيدا الى اقصى درجة. رغم انه كان على وشك ان ينال لقب “بك” اسوه بيوسف بك وهبي وسليمان بك نجيب ولكنه كان سعيدا جدا بلقب سي نجيب.


ربطت بين الريحاني والفنانة بديعة مصابني التي أذهلت المصريين في ملهاها الخاص علاقة حب، وتزوجها وأنجب منها بنتا. وكانت بديعة مصابني هي نقطة ضعف نجيب الريحاني. فقد كان يغار عليها وهي تغار منه ومن نجاحه المستمر وشتان بين غيرة نجيب وغيرة بديعة. الأمر الذي حول حياة كليهما الى جحيم. حيث كان نجمه في الصعود الدائم وهي في الهبوط الدائم، فاستحال العيش بينهما مما أدى به لتطليقها على مضض. وتوفي نجيب الريحاني عام 1949 وهو يستعد لتقديم فيلم عن حياته. 

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock