رأي في حياتنا

نحتاج لثورة ضمير!

في كل مرة أشاهدُ الفيديو الذي يُظهر لحظة سقوط الطفلة في المنهل أشعر أن قلبي يسقط معها، لأعيد المشهدَ من جديد، وأنا أرجو في كل مرة أن يتغير مسار الحدث، وأن تنجوَ الطفلة من المصير الذي اختبرته. لكن الموتَ يأتي في كل مرة، ولا يشفق عليها، ولا على أهلها.. أو علينا.
لا بأس من أن نقرر أن الاستهتار هو وحده من قتل تلك الطفلة البريئة التي لم يتجاوز عمرها 10 أعوام. رأيناها كيف كانت تركض فرحا نحو الحياة، تحمل أحلامها، وتنطلق على أرض اعتقدت أنها ثابتة بما يكفي لحمل جسدها الصغير وأمنياتها الكبيرة.. لكنها للأسف خذلتها!
لم تدرك أبدا أن خطواتها الملائكية تلك ستكون الأخيرة، وأن كل أحلامها ستسقط داخل حفرة صغيرة دفنت فرحتها وطفولتها وشقاوتها ولعبها، وتركت نارا ملتهبة في صدر أهلها وصديقاتها.
لحظة واحدة، كانت نهاية عمر لم يكتمل ربيعه بعد، نهاية حملت معها أوجاعا وجروحا لن تندمل، بل ستلاحقنا العمر برُمّته ونحن نشعر بالخذلان والغضب والقهر لفراق طفلة كان يمكن أن تظل بيننا لو أننا راعينا أمورا بسيطة.
أما الشاب النبيل أُسيد اللوزي، فهو جرح آخر مفتوح على الألم الذي أصابنا كلنا، حين اندفع بكل ما في العالم من طيبة محاولا إنقاذ الصغيرة، وبدلا من ذلك فارق الحياة، في حفرة امتصاصية أمام مجمع تجاري، لم تغلق بشكل سليم وكما يجب، لتحصد حياتين معا!
هل كانت تلك الحادثة المأساوية كافية لدق ناقوس الخطر علّ الجهات المعنية تتحمل مسؤوليتها تجاه المناهل الخطرة المنتشرة في جميع الشوارع، وكثير منها غير آمن على حياة الصغار والكبار، ومن الممكن أن يؤدي إلى مأساة أو أكثر؟!!
من المسؤول؟
من سيدفع ثمنَ إهمالٍ واستهتارٍ تسبب برحيل الطفلة والشاب.. هل ستنتهي القصة ككثير غيرها “ضد مجهول” دون تطبيق حقيقي للقانون ومحاسبة لكل مقصر!
حفر تملأ الشوارع، وجسور متآكلة وأنفاق تعاني مشاكل فنية، وجميعها تشي ببنية تحتية “مدمرة”، خصوصا مع غياب أو تواضع أعمال الصيانة. فهل سنضع يدنا على خدنا ونجلس منتظرين ضحايا آخرين!!
في كل يوم يمر العديدون من هذا الشارع، ألم ينتبه أحد بأن هذه الحفرة مصدرا للخطر، ألم يخطر ببال أحد أن يضع إشارة تحذيرية، أو يبلّغ جهات مختصة؟!
قانونيا؛ لا أعرف من المسؤول ومن يتحمل نتيجة هذه الكارثة؛ الحكومات، أمانة عمان، البلديات وأصحاب المجمعات.. كل من يمشي بالشارع الذي سقطت به الطفلة، لا أعرف، ولا أتهم أحدا، ولكن ينبغي أن يكون لدينا التزام أخلاقي تجاه الكارثة، وأن نشير إلى أنفسنا أولا، ونقر بأننا كلنا مسؤولون وجميعنا متهمون!
 لم يعد مقبولا أن نختبر ذلك الألم مرة أخرى، وأن نعيش هذه الأوجاع التي تنخر أرواحنا وتفقدنا أبناءنا، خصوصا أننا لا نستطيع الامتناع عن استخدام الشوارع، حتى لو أنها غير صالحة!
ليس سهلا علينا أن نراقب فقدان أطفال أو شباب في مقتبل العمر، فنحن أبدا لن نعتاد الموت، خصوصا ذلك الذي نشعر معه أننا فقدنا جزءا من روحنا، وأننا لا بد من أن نتهم أنفسنا بأننا شاركنا بصناعته، سواء كان ذلك من خلال سلبيتنا، أو من خلال تواطئنا على الصمت الذي ينبغي أن لا نمارسه أبدا.
نامي بسكون أيتها الصغيرة، إذ لا يبدو أن أحدا يريد أن يتحمل مسؤولية رحيلك الفاجع. نم بخير أيها الشاب الأصيل، فأنت قمت بتعرية الجميع حين نهضت ببسالة إلى موتك.
لكن اطمئنا.. بعد موتكما، تحركت لجنة متخصصة على الفور، وأغلقت الحفرة!!

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock