أفكار ومواقف

نحن أيضا مسؤولون عن خيباتنا

أسهل مهمة نتناوب عليها، ولا نمل من ممارستها، هي جلد الحكومات وانتقادها، ثم الترصد للمسؤولين وتشييعهم بما يلزم من تندر واتهامات، وحين نفرغ من القيام بهذا الواجب “الوطني” نتبادل الشكوى والتذمر، نتصارع أحيانا على ما يستجد من قضايا ونتغافل أحيانا أخرى عما يواجهنا من كوارث وأزمات، ثم نتسلى بالعزف على أوتار الفزعة والمعارضة لأي شيء.
لا يخطر ببالي، أبدا، أن أدافع عن الحكومات، أو أبرئها من الخطأ والتقصير، لكن ما فعلته بنا الحكومات، على قسوته، لا يقل عما فعلناه بأنفسنا، وما فعله بنا بعض الذين يتصدرون مجتمعنا من “النخب” الثقافية والأكاديمية، والمبشرين بالإصلاح وأصحاب الثروة والوجاهة الاجتماعية.
هؤلاء الذين أخذوا نصيبهم من “خيرات” الدولة والمجتمع ونحن الذين تواطأنا بالصمت عليهم، شركاء مع الحكومات فيما وصلنا إليه من خيبات: في التعليم والصحة والاقتصاد، وفي السياسة والإدارة أيضا.
ماذا تستطيع الحكومات أن تفعل لمجتمع “حر” تحرك ضد الفساد فتعامل بمنطق “النبذ” الاجتماعي مع أي “هامور” متورط فيه، حتى لو كان من الأقربين؟ وهل بوسع أي حكومة أن تعاقب مجتمعا نهض الموسرون فيه لبناء مستشفى أو مدرسة أو مركز لمعالجة المدمنين، أو دار “أوبرا”، أو غير ذلك من المشاريع التي تخدم المحتاجين والفقراء؟
الأصل أنه حين تنسحب الحكومات من وظيفتها، أو تتخلى عن دورها لسبب (مشروع أو غير مشروع)، فإن المجتمع ينهض بهذا الواجب ولا يعتذر عنه، كما أن الناس يحاسبون نخبهم على تقصيرهم ويطالبونهم بما لهم في أعناقهم من حقوق.
لا أتحدث، فقط، عن نخب الإصلاح السياسي التي انسحبت من المشهد، ولا عن الأكاديميين الذين أغلقوا على أنفسهم أسوار جامعاتهم، أو الإعلاميين الذين تنازلوا عن “نيابة” الضمير العام، وإنما عن جميع النخب، وعن رؤوس المجتمع، أو، إن شئت، عن “الكتلة التاريخية” التي استقالت من مسؤولياتها، واعتذرت عن إسعاف المجتمع، أو رد التحية عليه بمثلها، لكي لا أقول بأحسن منها.
أعرف أن البعض سيتهمني بالهروب من إدانة الحكومات إلى إدانة المجتمع باعتباره الحلقة الأضعف، أو بـ”قلب” المعادلة لأن ما حدث للمجتمع هو انعكاس طبيعي لسلوك الدولة ومؤسساتها، كما أن آخرين سيردون بأن المجتمع قام بدوره حين خرج للشارع، أو حين “يدب الصوت” في الإعلام مطالبا بحقوقه، وبالتالي فالمسؤولية تقع على الحكومات لأنها تمتلك الصلاحيات والموارد الكفيلة باستنهاض المجتمع.
وجهات النظر هذه، كلها، أحترمها، وقد يبدو بعضها وجيها وقابلا للنقاش، ولا أحتاج الى مرافعة لتفنيدها، لكن الحقيقة هي أن المجتمع الذي أقصده يتمثل في النخب التي تحركه، وهذه ظلت بعيدة عن المشهد العام، وعاجزة عن القيام بدورها، أما “الجسد”، أعني عموم المجتمع، فيتحمل جزءا من المسؤولية، كما يحتاج إلى “صدمة” ليستعيد وعيه وحيويته من جديد.
هذه واحدة، أما الثانية فهي أن مجتمعنا الذي تغير أكثر مما نتصور، مزدحم بالصور المتناقضة: نحن نرفض المحسوبية ونباشرها بأنفسنا، ونحن ضد تعيين المسؤولين من دون معايير الكفاءة، ثم نتسابق لنبارك لهم ونحتفي بهم، نطالب الدولة بإلحاح بمحاربة الفساد، لكن يمكن أن يكون أحدنا مشروعا فاسدا إذا جاءته الفرصة. نحن نتحدث عن القيم والأخلاقيات والدين، ولكن واقعنا في الغالب لا يتطابق مع ذلك.. وهكذا دواليك.
نحتاج إلى “صدمة” لكي نعترف أمام أنفسنا، على الأقل، أن ثمة ثقوبا وعيوبا كبيرة في”ذاتنا” ومجتمعنا، و”نخبنا” تحديدا، وأن أخطاء الحكومات وجرأتها علينا تسللت من خلال هذه الثقوب، وما لم نبادر إلى إصلاح أخلاقنا وسلوكنا، والتشمير عن سواعدنا، ومساءلة المقصرين الذين يتصدرون مجتمعنا، فلن تنفع كل وصفات الإصلاح بإعادة العافية لمجتمعنا وإخراجه مما يعانيه من “تشنجات” وأوجاع.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock