أفكار ومواقف

نحن لا نزرع النجيل!

د.لانا مامكغ

أجزمُ أنَّ أرواحَ جدّاتِنا الطّيبات ترفرفُ حولنا بفرحٍ وفخرٍ ورضى هذه الأيّام وهنَّ يراقبن كيف استنسخنا أساليبَهنّ النّبيلة في الحفاظ على أغلى من نملكُ في هذه المرحلة، وأثمنَ ما في الوجود … الماء!

فنحن نستغلُّ الماءَ الذي نغسلُ به الأرزَّ والبقولَ والخضار، لسقي النّباتات المنزليّة، والمياه المتأتيّة من الاستحمام، حوّلناها بألف طريقة إلى وسيلة لشطف الحمّامات، وبعض المرافق، والسّاحات الخارجيّة…

كما أنّنا من الفئة التي إذا لاحظت أيَّ هدْرٍ مائي في المؤسّسات التي تعملُ بها، سارعت إلى إصلاحها، أو إبلاغ فنّيي الصّيانة عنها، ومتابعةِ الأمر معهم… وكم من مرّة أخرجنا قواريرَ مياه مليئةً لنصفها أو ثلثها من سلاّت المهملات في الممّرات، وسقينا بها شجرةً هنا أو هناك!

ونحنُ الذين نعلّمُ أطفالنا عدم ترك الماء يسيلُ أثناء غسيل أيديهم أو أسنانهم، إلا عند الشّروع بالانتهاء من الموضوع، ونحدّثهم مطوّلاً عن عواقب الإسراف المائي!

ونحنُ لا نشطفُ الأرصفة أمام بيوتنا بخراطيم مياه الشّرب كما يفعلُ بعضُهم… وإنّما نكتفي بتكنيسها، فتظلُّ نظيفةً زاهية… ولا نغسلُ مركباتِنا بالطّريقة ذاتها، وإنّما بأقلّ القليل من المياه اللازمة للعمليّة!

كما لم نعدْ نقدّمُ للضّيف كوبَ ماءٍ مع فنجان القهوة، إلا إذا طلبه بنفسه، وإذا رشفَ منه قليلاً، وتركَ الباقي، سارعنا إلى إعادة تدويره مع مياه السّقي أو التّنظيف العام، لكن لا نسكبُ الماء العذبَ في البالوعة أبداً!

ونحنُ لا نملكُ بركاً للسّباحة، تلك التي تحتاجُ إلى كميّاتٍ خرافيّةٍ من الماء في بلدٍ يئنُّ من العطش… ونحن لا نزرعُ النّجيل… هذا العشب الأخضر الذي يُزيّنُ حدائقَ بعضهم، والذي يُقال إنّه يحتاجُ إلى سقي بمعدّل ساعتين يوميّاً في أسابيعه الأولى، ثمَّ الرّيّ المتأنّي المنتظم بعدها يعني « دلع» من طراز رفيع قد لا يتناسبُ مع أوضاعنا المائيّة الحرجة!

وبسبب الانقطاعات المستمرّة للمياه التي تصلُ لأسابيع، نضطرُ لشرائها من التّنكات المعروفة، فندفعُ المعلوم، كما نعودُ وندفع معلوماً آخر حين تصلنا الفواتيرُ الرّسميّة!

رغم ذلك كلِّه، فنحنُ لا نعتدي على شبكات المياه، ويستحيلُ أن نسرقَها، لكن نحبُّ أن نتعرّفَ على ملامحِ من يفعلون ذلك… إذ نقضي فصولَ الشّتاء ونحن نشكرُ الله، جلَّ وعلا، على كلِّ نقطة مطر، ونفرحُ بالتّصريحات التي تحتفي بالأمتار المكعّبة التي تدخلُ سدودَنا، ولم نضق يوماً بالغيوم الجميلة… ولم نشكُ من الأيّام الماطرة كما فعلَ بعضُهم حين عبّروا عن أشواقهم الحارّة لهذا الفصل القاسي… وها هو قد هلَّ، وحلَّ معه الظّمأ… فافرحوا!

هذا إضافة إلى أنانيةِ بعضهم التي تثيرُ الحنقَ فعلاً… تلك التي فصلتْ ذاتها عن مشكلةٍ محليّةٍ وطنيّةٍ بيئيّةٍ عالميّة اسمها « المياه» ليحسبوا أنَّ القدرةَ الماديّة كفيلةٌ بحلِّ احتياجاتهم هم دون غيرهم… على مبدأ « أنا وبعدي …» ليس الطوفان هذه المرّة، وإنّما الجفافُ والقحطُ واليباب!

وأعيد، نحن لا نزرعُ النّجيل، وإن كنّا نتمنّى، لكنّهم يزرعون الشّوكَ في دروبنا حين يستحوذون على الحصص الكبرى من المياه القليلة التي نملكُها في هذا البلد، متناسين أنَّ مشكلة المياه ليست قضية نقود… بقدْر ما هي قضية وجود!

المقال السابق للكاتبة

سأظل أحبك..

للمزيد من مقالات الكاتبة انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock