تمويل اسلامي

نحن والتحولات الرقمية في الاقتصاد العالمي

غسان الطالب*

يشهد الاقتصاد العالمي ومنظمات الأعمال، حاليا، تحولات سريعة ومذهلة في مجال التكنولوجيا ووسائل الاتصال، حتى أن البعض أصبح يتحدث عن ثورة صناعية رابعة والمتمثلة بالتحول الى التكنولوجيا الرقمية في قطاعات الإنتاج كافة، وخاصة في قطاع الصناعة المالية، فقد شهدنا منذ أمد قريب ظهور العملات الرقمية “الافتراضية”، ثم قاعدة البلوكشين وأخيرا ما طالعنا به موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، ونيته إصدار عملة الكترونية أسماها “ليبرا-libra”، في خطوة جادة منه للدخول إلى عالم العملات الرقمية، فقبل حوالي العشر سنوات أسس منظومة “ائتمان فيسبوك”؛ حيث مكنت مستخدمي “فيسبوك” من تسوية مشترياتهم باستخدام تطبيقات على وسائل التواصل الاجتماعي أحدثت اهتماما كبيرا من قبل مستخدمي “فيسبوك”، وأمام هذا التغير السريع في التحولات الرقمية العالمية فإننا نتساءل، ماذا أعدت مصارفنا الإسلامية للتعامل مع هذه الظاهرة الاقتصادية وهذه العملات المثيرة للجدل، خاصة وأن الملايين من المسلمين حول العالم هم من مستخدمي “فيسبوك” ووسائل التواصل الاجتماعي الأخرى.
ومن المهتمين بالعملات الرقمية المثيرة للجدل خاصة عملة البتكوين، فلا بد من العودة لأحكام الشريعة الإسلامية وشروط النقد عند البيع أو الشراء فمرجعيتنا في ذلك كتاب الله وسنة نبيه، لكن هذا لا يعفي الفقهاء والمشرعين في الصناعة المصرفية الإسلامية من الوقوف عند هذه الظاهرة لبيان الغموض فيها وما هو مستقبلها، ثم إجراء البحوث والدراسات التي تنير لنا الطريق دائما نحو التطور والإبداع.
مصارفنا الإسلامية ليس أمامها إلا خيار الاستعداد للتحول الى التكنولوجيا الرقمية، وسيسهم ذلك بكل تأكيد في اتساع قاعدة هذه المصارف من العملاء، وزيادة حصتها في الأسواق المالية سواء المحلية أو العالمية، وهذا ما نلمسه من التوجهات الجادة والنشاطات التي نتابعها من دون كلل من قبل العديد من المؤسسات المالية والمصرفية الإسلامية بهذا الاتجاه والسعي لتبسيط إبرام وتنفيذ عقود التمويل وصيغها الملتزمة بأحكام الشريعة الإسلامية وفلسفتها المالية، نحن بحاجة الى رؤية تواكب هذا التطور ملتزمة بأحكام شريعتنا الإسلامية وتطرح قضايا وتحديات الصناعة المصرفية الإسلامية بكل جرأة لدرء المخاطر المحتملة سواء من التعامل مع هذا التطور التكنولوجي الهائل أو التريث في اتباعه.
ويتوجب علينا أن لا ننتظر لحين اتساع الفجوة الرقمية بين صناعتنا المصرفية الإسلامية والصناعة المصرفية التقليدية مع إقرارنا بفارق العمر الزمني لكليهما، وهنا نُذكر بالدور والمسؤولية المهنية والأخلاقية للبنوك المركزية بأن تسارع في إعادة صياغة للعلاقة مع المصارف الإسلامية بما يتناسب مع التطور الذي نراه في التكنولوجيا المالية، وبالتالي العمل على إدماج المؤسسات المالية والمصرفية كافة في هذا التطور التكنولوجي من خلال إعادة صياغة للقوانين والتشريعات المصرفية التي تحكم العلاقة بينها وبما يحافظ على الدور الرقابي لها أي “البنوك المركزية”، بحيث تتماشى أدوات الرقابة مع التطور الحاصل في العمليات المصرفية الإلكترونية، والاستعداد لما قد ينشأ عنها من مخاطر، كذلك الاستعداد لإدارة المخاطر كافة التي قد تنشأ عن استخدام هذه التكنولوجيا، مع الأخذ بنظر الاعتبار خصوصية المصارف الإسلامية.
ونأمل، من القائمين على الصناعة المصرفية الإسلامية، المبادرة بوضع استراتيجية رقمية واضحة لتحسين قدراتها، للانتقال الى المرحلة الجديدة من التعامل مع الابتكارات الحديثة في التكنولوجيا المالية “الفنتك” وخاصة العملات الرقمية والافتراضية والذكاء الاصطناعي، لقناعتنا التامة بأن ذلك سيتيح للصناعة المصرفية الإسلامية الاستفادة من تعزيز خدمات عملائها وقدرتها التنافسية مقارنة مع النظام المصرفي التقليدي؛ حيث ستوفر هذه التقنية عملية الإسراع وتسهيل خدمات الدفع والتحويلات المالية، وتخفيض التكاليف والخدمات المصرفية كافة التي تقدمها مصارفنا الإسلامية.

*باحث ومتخصص في التمويل الإسلامي

مقالات ذات صلة

السوق مغلق المؤشر 1817.11 0.05%

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock