تحليل إخباري

نحو البناء لا التكديس

العين هيفاء نجار*

لكي تزهو الأوطان وتنطلق إلى المستقبل لا بد أن يتشارك الجميع في عملية البناء، وأن يصغي بعضنا إلى بعض ونحترم اختلافاتنا، ونحتفي بالإنجازات ونبني عليها، ونناقش الأفكار ونشبعها بحثاً وتمحيصاً بعيداً عن شخصنتها، وبعيداً كل البعد عن أدلجتها.
إن التعبير عن الرأي حق مصون للجميع، ولكن بشرط أن لا ينطلق من ادعاء أحدنا بأنه يمتلك المفاتيح وحده، وفي الوقت نفسه علينا التوقف عن الفكر الاتهامي ليحل محله الفكر النقدي التساؤلي البنائي. إن النقد البناء يعمق حركة خروجنا إلى فضاء الإنسان، ويدفعنا إلى ابتكار أشكال جديدة لفهم الواقع وتغييره، فمثل هذا النقد لا يحدث في الفراغ، أي ليس هو مجرد فعل شفاف يتم بين المرء وذاته، وإنما هو اشتغال على الوقائع والتجارب والممارسات، هو الذي يفتح الآفاق واسعة لمزيد من الأفكار والرؤى. أما الاستخفاف بالإنجازات، والاستهانة بحجم الجهد المبذول وراء تلك الإنجازات هو تكريس لواقع نشكو منه جميعنا، بل هو جر نحو الماضي، وهو بمعنى من المعاني تأخر.
إن كثيراً من الأفكار في مجتمعنا تموت في مهدها لأننا نحاكم أشخاصها وليس أفكارهم، نصنف الفكرة حسب أيدلوجية صاحبها، فإن كانت أيدلوجته تنال الرضا فنميل جهتها، وإلا فإننا نحاربها، إن أدلجة الأفكار هو أخطر ما يواجهنا، فهو يقتل الإبداع ويخنق الابتكار. علينا التمييز بين الإنسان وآرائه، فهو الدليل على حس رفيع إنسانياً وفكرياً. إن الأفكار غير الصالحة يميتها انتشارها نفسه، لأنها تمتحن وتختبر في هذا الانتشار وتسقط من تلقاء نفسها، لذا علينا أن نمنح الأفكار فرصتها لكي تثبت نفسها، ولا نحاربها أو ننتقص منها أو من أصحابها.
وهنا يأتي دور الغيارى على الوطن وتطوره ونمائه كل في مجاله، فعلى هؤلاء أن يكون نقدهم موضوعياً جريئاً وصريحاً، وأن يطوروا الفكرة ويسدوا ثغراتها إن وجدت، لا أن ينسحبوا فيتركوا الساحة للمدّعين الذين لا يمتلكون المعلومات الكافية ليستلوا أقلامهم فيهدموا الفكرة ويثبطوا عزائم أصحابها. إن الحبر الذي يسيل حول ذلك لا يصدر عن وعي عميق بالأسباب والمنطلقات، بقدر ما يتخذ طابعا ندبياً يكاد يصبح ظاهرة خطيرة، من حيث إنه يضمر تسويغ النكوص والسلبية ويعفي الذات من المسؤولية. إن أصحاب الشأن العارفين أولى الناس بتقديم البدائل، لأن أهل مكة أدرى بشعابها، وهم حينما ينتقدون ويتأملون ويراجعون فإنهم يبنون ويعلون في البناء مداميك أخرى. أما إذا تركت الحبال على غواربها فإن معظم إبداعاتنا ستتحول إلى هبّات سرعان ما تنطفئ كمثل نيران القش.
علينا أن ننظر ملياً في ثقافتنا التي تخص النقد، وأن نبني ثقافة مختلفة عند الجيل الجديد، علينا أن نتعلم فن النقد البناء الذي يحلق بنا إلى آفاق التغيير، ونعرف كيف نخضع كل أمر لتحليل نقدي عميق، فنحتفي بالمنجز، وندعم الشباب المتحمس الواعد، ونقف مع القادة الحقيقيين، فنحن أحوج ما نكون إلى من يشحن الآخرين بلهب جديد، ويجعلهم في فتوة دائمة. إلى من يأخذ بيدهم ليتجاوزوا كبواتهم ويحتفي بنجاحاتهم لتغدو سلّماً للارتقاء والتجدد. إلى من يخضع الأشياء للتقييم والمراجعة الدائمة ومعاودة النظر في جميع مناحي حياتنا.

* المديرة العامة لمدرستي الأهلية والمطران

انتخابات 2020
12 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock