;
ترجمات

نحو بلد غير مكتشف

كين أورفان – (كاونتربنش)* 24/11/2021

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

“ثمة من الأشياء في السماء والأرض، يا هوراشيو، أكثر مما حلمت به في فلسفتك”.

  • من مسرحية “هاملت” لويليام شكسبير.
    تمت مناقشة هذا الاقتباس المستل من واحدة من أشهر مسرحيات شكسبير مرات عديدة على مر السنين. وأعتقد أن السبب في ذلك هو أنه ينسلُّ ليلامس شيئاً غير واعٍ في داخل الكثيرين منا. كانت شخصية هوراشيو متشككة. وكان يطلب دليلا على وجود الشيء حتى يكون هذا الشيء موجودا. لكنه عندما رأى الشبح الذي يطارد هاملت، الذي هو، على ما يبدو، شبح والد هاملت الميت، انتابه الخوف. لقد خلقت رؤية الشبح شعورًا كبيرًا بعدم الارتياح في داخله.
    وكان هاملت نفسه غير مرتاح أيضاً. فبعد كل شيء، أخبره شبح والده المتوفى بأنه قتل على يد شقيقه كلوديوس، عم هاملت. فما الذي كان على هاملت أن يفهمه من هذا الاتهام؟ وما الذي كان عليه أن يفهمه من هذا الشبح؟ هل كان طيفا؟ شيطانا من نوع ما أم تجسدا لشيء آخر؟ بطبيعة الحال، لا تنتهي القصة بشكل حسناً بالنسبة لهاملت أو عائلته المالكة، لكن هذا الاقتباس قوي لأنه، مثل جميع الاقتباسات الجيدة، متفرّد. إن له حضوراً يتجاوز السياق والعمل الأدبي نفسه. وفي الحقيقة، عاش هذا الاقتباس وتحمل وطأة الزمن قروناً، ولو أنه هبط الآن في الغالب إلى منطقة “الميمات”.(1)
    كنت أفكر كثيراً في هذا الاقتباس مؤخراً. وإذا أراد المرء أن يكون صادقًا، فإن قضاء حتى دقيقة واحدة في محاولة فهم حجم وتعقيد هذا الكون هو شأن ساحق غامر. وبالتأكيد، لا يمكن فعلُ ذلك في هذه الوحدة من الزمن التي نسميها دقيقة. ولا يمكن فعله في أي واحد من مقاييس الوقت البشري أو بمجرد الحواس الخمس فقط التي قيل لنا إننا مقيدون بها. لكنّ هناك فضاء أبعد من هذا الفضاء الذي تقطنه ذواتنا المادية. وأنا أستطيع الشعور به. ويستطيع الكثيرون أن يفعلوا أيضاص.
    لكن محاولة التفاوض مع القوى والعوالم خارج هذا الفضاء لم تلقَ الترحيب أبدًا داخل الدوائر النبيلة من المثقفين الغربيين. ولم يكن سوى مؤخرًا حين تبنى بعض اليسار الغربي أهمية الاعتراف بطرق تفكير السكان الأصليين واحترامها حول وجودنا، وروحانياتنا، وعلاقتنا ببعضنا البعض وبالأرض التي نعيش عليها ككائن عضوي حي.
    ومع ذلك، فإن اعتراف المرء بأنه شاهد على ما يمكن تعريفه، بالعامية، بأنه خارق للطبيعة، أو فوق-طبيعي، يمكن أن يعني نوعًا من الانتحار الاجتماعي في تلك الدوائر. سوف يفقد المرء مصداقيته ورأس ماله الفكري في عالم الماديين الراسخين والمفكرين العقلانيين. وحسب هذه الدوائر، يجب تهدئة المنبوذين السطحيين، المؤمنين بالخرافات الذين يصدقون كل شيء، أو تجاهلهم أو تهميشهم.
    وقد شاهدت هذا النوع من التجنب المعاصر عدة مرات؛ رأيت تحولاً في موضع نظر المرء لأن الموضوع يصبح ميتافيزيقيًا للغاية، أو روحيًا جدًا أو خارقاً للطبيعة بطبيعته. ولأن هذه الأشياء يمكن أن تكون غالبًا على تخوم اللاعقلانية -أو حتى الجنون، فمن المفهوم أن تكون الأمور ما هي. إذا كان المرء مستغرقاً كثيراً في الرغبة في تجربة الوجود خارج حدود جِلده، فإنه يغوص في مياه ضبابية، غريبة ومحفوفة بالمخاطر. وهذا يثير الرعب في قلوب أولئك الذين يريدون أن يكون عالمهم مكتملاً، معروفًا وتحت السيطرة.
    لا يمكن التسامح مع الخوض في العلوي والمتسامي في أنظمة التفكير المغلقة. وأولئك الذين يفتحون أنفسهم عليه حقاً غالبًا ما يشار إليهم بسخرية على أنهم جماعة الخرافات. ومع ذلك، فإن المادي المتشدد بهذه الطريقة يشبه إلى حد كبير الأصولي الديني. إنها يتقاسمان ازدراءً وخوفاً متشابهين من المجهول، وكذلك من أي شخص يجرؤ على مشاركة خبراته بشأنه. إنهم يكرهون أي استنطاق للعقيدة والدوغما السائدة اليوم، سواء أكانت علمية أم دينية. وقد تم إقصاء التصوف إلى الهوامش الخارجية للتجربة البشرية. ولا ينبغي أن يأخذه ذوو العقول الجادة على محمل الجد. ولهذا السبب، قد يكون من الصعب طرح الموضوع بأي طريقة جدية هذه الأيام.
    ولا تساعد حقيقة أننا نعيش في عصر من الارتباك الجماعي؛ من الحملات العنيفة المعادية للعلم، وطوائف الموت اليمينية المتطرفة، ونظريات المؤامرة المختلة. ولا يساعد أن هذا يفاقمه الدجالون، والمتسللون السياسيون، وبائعو زيت الثعابين، والنظام البيئي لوسائل التواصل الاجتماعية الذي تعمل خوارزمياته باستمرار على تشويش الواقع نفسه عن قصد. وقد أنتجت جبال من الوجبات السريعة الخردة، والروحانية الخردة، والثقافة الخردة نوعًا من الأبخرة التي المشتتة للانتباه. وقد أصبحنا نعاني من سوء تغذية في المعنى والحقيقة.
    لكن هذه مشتتات يتشبث بها اليائسون في عالم تم تجريده عن قصد من قدسيته؛ عالم يتم إعلامنا فيه باستمرار بأننا منفصلون عنه؛ بأننا فوقه ومتعالون عليه. وحتى معظم القصص أو الأفلام المعاصرة عن الأشباح تُصنع للاستهلاك السهل. إنها قابلة للهضم، بل وحتى مُرضية لحظياً، ولكنها خالية من التغذية. وتهدف كلها تقريبًا إلى إثارة الخوف، وليس إلى توسيع فهمنا أو وعينا.
    لكن الشبح واحد من أكثر السمات النموذجة والنمطية ديمومة في القصة البشرية. وأعتقد أن هذا يحدث لأنه رمز الحزن نفسه. إننا عندما نجرد الشبح من رداء الحزن الأساسي هذا، فإننا نجعله عديم الفائدة. إنه لا يعود بإمكانه حمل الحزن الذي نختبره جميعًا على مستوى باطني، وروحي أيضاً في هذه الحياة. إن الشبح هو حزننا عالقاً في منطقة انعدام الوزن لكل ما هو مجهول. وقد تم تكريس أهميته، منذ بداية التاريخ البشري، في كل ما هو مقدس، لأن الشبح يذكرنا بأن ما لدينا هو شأن مؤقت. إنه يوجد خارج الزمن. وهو خالد، لكنه يظل مع ذلك غير راضٍ. إنه مسكون بالتوق إلى الأبد ومحزون إلى الأبد. وهو لا يستطيع أن يمضي قدمًا لأنه يحمل معه حزنه من هذا العالم إلى الذي يليه.
    وقد فكرت كثيرًا في تجربتي الخاصة مع الأشباح أيضاً. بكيف شعرت بهم وهم يلامسونني بينما يمرون بي أو يحومون فوقي في الظلام. بكيف يجتاحني شعور بالرهبة مثل تيار بارد يأتي من تحت ألواح الأرضية. يتوسلونني كي أنظر إليهم. كي أراهم. وفكرت كثيرًا في الحزن وبكيف نواجهه. لقد فقدت أحباء لي، مثل كل شخص آخر. وقد شعرت بالضربة في صدري، كما لو أن كل الأكسجين قد سُحِب من جسدك، في ألم عصي على الوصف تقريبًا. وقد فكرت كثيرًا في المكان الذي نحن فيه، واقفين على حافة الانقراض مع قادة مجانين وجشعين وغير مبالين فقط يسيطرون على مصيرنا الجماعي. وقد تأملت في التداعيات على الشريط الرقيق من الهواء، والماء، والحياة الذي يحتضن هذه الصخرة المعلقة في الفضاء التي نسميها الأرض، وبكيف أنه مهيأ للتبدد أمام أعيننا بفعل الانتهاكات المتراكمة التي أهالها عليه جنسنا البشري. وكيف يبدو هذا في المقياس الكبير للزمن الجيولوجي؟ ذرة من الغبار في تعاقب أزلي من العصور؟
    وكنت أفكر أيضًا في “هيرمس”؛ رسول الآلهة السريع الرجولي ذاك؛ قائد أرواح الموتى المحتال الذي نحتاج إلى رعايته لنقلنا من هذا العالم إلى التالي. نحن نعلم أن الموت أمر مؤكد بالنسبة لنا جميعًا، ولا نعرف متى سيأتينا بأي قدر من الدقة. بهذه الطريقة، أصبحت أقدّر عدم المعرفة كهِبة، وأرحب بها بشكل خاص الآن، في هذا العصر من الخداع، وانعدام اليقين، والجشع والسادية؛ من القوى العالمية المنهارة، والفيضانات، والحرائق، والجفاف، والهجرات الجماعية، والحروب، والمجاعات والانهيار البيئي؛ من معرفة أن الأشياء تتداعى، لكننا لا نعرف متى أو كم من الوقت قد تبقى قبل الوصول، عبر ممر الحزن، إلى سلام غامر بشأن كل شيء.
    لكن ذلك السلام لا يعني اللامبالاة حيال المعاناة في هذا العالم. إنه لا يعني الانفصال أو الاستسلام لأي من العالمين. إنه مكان للوضوح؛ لاحترام الأشباح ورسالتها، واحتضان الفضول والتعجب، والرحمة والعمل، والقبول بحقيقة أنه لا يمكن معرفة كل شيء؛ بأن المجهول لا يجب أن يكون شيئًا نخشاه؛ بأن نهاية عالم غالبا ما تعني بداية عالم آخر. مثل النجوم والكواكب وكل ما هو كائن، نحن جزء من هذا كله في شكل أو آخر.
    يشبه هوراشيو الكثيرين منا عندما نواجه المجهول. لقد رأى شبحًا وأقلقته تلك تلك التجربة. وأعتقد أن معظمنا يمكنهم التعايش مع هذا النوع من عدم الارتياح في أحشائنا. وعندما تُقلب نظرتنا إلى العالم رأساً على عقب، فإنه يُترك لنا خيار. يمكننا أن نغلق أعيننا ونتظاهر بأن شيئًا لم يتغير، كما يفعل الكثيرون منا كل الوقت؛ أو يمكننا أن نفتحها ونعدل رؤيتنا لتتواءم مع البيئة الجديدة. ويقدم لنا الخيار الأخير فرصة رائعة للمغامرة التي يمكن أن توسع وعينا، كما أكد هاملت، حين يدخل إلى “بلد غير مكتشف”.
    “ثمة من الأشياء في السماء والأرض، يا هوراشيو، أكثر مما حلُمتَ به في فلسفتك.” ثمة في الحقيقة هذه الأشياء.

*Kenn Orphan: فنان، وعالم اجتماع، وعاشق متطرف للطبيعة الراديكالي . وهو شخص قلق، لكنه ناشط ملتزم.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Toward an Undiscovered Country

هامش المترجم:
(1) ميم الإنترنت: Internet meme‏ جمعها ميمات، memes: هي مصطلح يستخدم لوصف شعار أو فكرة تنتشر بسرعة من شخص إلى آخر من خلال الإنترنت، ويستند المصطلح إلى مفهوم الميمة على الرغم من أن هذا المفهوم يشير إلى فئة أوسع بكثير من المعلومات الثقافية. من الأمثلة البارزة: كتابة “”LOL! رداً على نكتة.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock