الغد الاردنيتحليل إخباري

نحو عام دراسي قادمٍ وناجح

د. ذوقان عبيدات

مررنا بما يشبه المرحلة الانتقالية من المرض إلى السلامة، وكل مرحلة لها خصائصها، فمرحلة السلامة وهي مرحلة ما قبل المرض، لم تكن كلها سلامة، ففي التعليم مثلاً: كانت مرحلة السلامة – ما قبل المرض- مليئة بالفيروسات المعدية مثل: ضعف التعليم، وضعف أداء المعلمين، والعنف المدرسي، وضعف التحصيل الدراسي، ومع ذلك أسميناها مرحلة السلامة، ولنقل مرحلة السلامة الأولى _ ما قبل الكورونا التعليمية_ كسائر المراحل الأخرى، وكما قلت هي مرحلة احتوت فيروسات عديدة لعلّ في مقدمتها العلاقات التربوية، والمقصود بالعلاقات:
– علاقة المعلم بالعمل والمهنة.
– علاقة المجتمع بالمعلم وبالتعليم.
– علاقة الدولة بالمعلم والتعليم.
– علاقة الدولة بمؤسسات التعليم: الوزارة_ النقابة_ المدارس..إلخ.
وفيما يأتي توضيح لهذه العلاقات السائدة في مرحلة ما قبل كورونا وفي أثنائها وبعدها:
(1) علاقة المعلم بالعمل والمهنة:
تميزت هذه العلاقة “بالزواج القسري” فالمعلم يمارس التعليم لا حُباً بل واجب وفرصة عمل، فلا شروط للالتحاق بالعمل، ولا معايير لأداء العمل، وكان الشخص يدخل العمل معلماً، ويخرج منه بعد ثلاثين سنة معلماً أيضاً، فلا ميزة لمعلم قديم ذي خبرة، وربما العكس تماماً! الميزة للمعلم الجديد فهو الأكثر حداثة والأكثر حماسة والأكثر وعياً، بمعنى أن الخبرة لم تكتسب مع المدة، وفي مثل هذه الظروف لا نتوقع علاقات وطيدة بين العمل والمعلم، ولذلك كانت الفيروسات داخل التعليم كافية، وكان من السهل أن تنتقل بين المخالطين ومخالطي المخالطين، فكان يكفي أن تلوح أي مؤسسة تربوية بممارسة حقها حتى يلتحق بها آخرون. فالمدرسة الخاصة كانت تمارس تسلطاً واستبداداً فتنقل العدوى إلى مدارس أخرى (إلغاء العقود، عدم دفع الرواتب لكامل العام، التحايل في العقود) وكانت الفيروسات التعليمية ظاهرة في المدرسة الخاصة، ولكنها كامنة في المدرسة الحكومية تمثلت في التراخي والتوتر وعدم الرضا.
انتظرنا ليحدث الحب بعد الزواج ولكنه لم يتحقق: دخل المعلم المهنة دون حب وعاش فيها كذلك وتركها كما دخل. وهذه بيئة واعدة بشرور كبيرة إن لم يتدخل أحد ما لتغييرها! دخل المهنة دون حب وخرج منها منهكاً دون حب أيضاً.

(2) علاقة المجتمع بالمعلم والتعليم:
قلت مراراً إن المجتمع أوكل إلى المعلم إدارة شؤون الأطفال دون تدخل منه، فالمعلم يمتلك تفويضاً عاماً ليعمل كما يريد، ولكن هذه الصورة تغيرت بعد انتشار الديمقراطية وحقوق الإنسان، فنهض المجتمع ليحاسب المعلم إيجاباً وسلباً، وصرنا نشهد مظاهر نقدٍ لأداء المعلم ولإنجازه، وقيل في ذلك إن المعلم يعمل أقل من نصف العام ومع ذلك يشعر بعدم الرضا. ولكن بشكل عام وقف المجتمع مع المعلم حين طالب بنقابة له، ووقف معه ودعمه حين طالب بعلاوة فنية، ولم يستطع أحد أن يوجد شرخاً في صفوف المعلمين بسبب دعم المجتمع لهم وليس لأي سبب آخر إذا توهمّ أحد ذلك. لا نجاح لأي مؤسسة: وزارة أو نقابة أو مدرسة دون دعم المجتمع، وعلى الجميع أن يعي أن قوته مستمدة من دعم المجتمع لا غير! وأن المجتمع لا يدعم أحداً ظالماً أو مظلوماً!
فالمجتمع أيضاً تابع المعملين في تحركاتهم سنة 2017 وتابع الوزارة في مناهجها سنة 2015 وسنة 2016، ويتابع حالياً عمليات تطوير المناهج وتحديثها، ولذلك يعمل الجميع تحت سقف المجتمع، وارتباطاً بحاجاته وخططه وطموحاته المستقبلية! ولا تستطيع قوة فرض فكرة على المجتمع إلّا إذا قبلها وتفهمها.

(3) علاقة الدولة بالمعلم والتعليم:
تعمل الدولة لتحقيق أهدافها عبر جهاز من العاملين: أطباء ومعلمين ومهندسين وعاملين، وهي ترعى الجميع وتجهد لتوفير درجة من الرضا للجميع، ولذلك هي مطالبة بما يأتي:
– توفير الحياة الكريمة لجميع العاملين وتحسين أوضاعهم.
– مكافأة العاملين حسب درجات إنجازهم.
– تقليل الفجوات في أجور العاملين.
وعلى الرغم من ذلك، فقد وفرت الدولة للمعلمين مزايا مثل: الدخول للجامعات ورفع مستوى تأهيلهم، وتسهيل فرص أبناء المعلمين للالتحاق بالجامعات، ومزايا إسكانية من منازل وقروض، وصندوق ضمان خاص، ومهما كان ما قدمته الدولة من دعم، فإن هناك عدم رضا من المعلمين عن مستوى هذا الدعم، واعترفت الدولة بعدم كفاية ما قدمته للمعلمين وبذلك وافقت على زيادة دعمهم بمكافآت مالية سنة 2019.
وفي مجال التعليم، استمرت الدولة في زيادة اهتمامها بتحسين التعليم من خلال تأسيس بنى تدريب تمثلت بأكاديمية الملكة رانيا ومركز وطني للمناهج من أجل تطويرها وتحديثها سنة 2017. فالدولة مهتمة بتطوير التعليم ومن الطبيعي أن ينسحب اهتمامها على المعلم أيضاً.

(4) علاقة الدولة بمؤسسات التعليم:
سبق أن أوضحت أن المؤسسات هي وزارة التربية والمدارس والنقابة، وإن علاقة الدولة بوزارة التربية وبالمدارس سواء كانت حكومية أو خاصة، كانت علاقة رسمية تحكمها الإمكانات المتوافرة، ومع ذلك بذلت أكثر من إمكاناتها لتطوير الوزارة والمدارس عبر مشروعات ودعم وتمويل خارجي، ولولا ذلك لما تمكّنت من بناء مدارس جديدة أو جعل الروضة مرحلة أساسية وخاصة السنة الثانية منها، وتطوير التعليم ضمن أسس التعليم الرقمي.
أما علاقة الدولة بنقابة المعلمين، فكانت عبر حوار ساخن حيناً وخشن أحياناً حتى تأسست نقابة المعلمين في ولادة عسيرة ولكن المولود كان بشكل عام: “صحيح الجسم”. ثم بدأ حوار خشن آخر على حدود النقابة ومهامها، تم حلّه بالتفاوض وبسيادة القانون، وأخيراً دار حوار شديد الخشونة حول مطالب النقابة المالية، انتهى بحصول المعلمين على علاوات أرادوها!! كان ذلك في نهاية عام 2019.
والآن! ما الدروس؟
حصل المعلمون على مطالبهم، ووقفوا مع نقابتهم، ودعم المجتمع النقابة والمعلمين ومطالبهم المالية.
ودون تشكيل، فقد وقف المعلمون ونقابتهم وقفة كبرياء وطنية، تمثلت بتبرعهم بنصف مليون دينار دعماً لجهود الدولة في مواجهة أزمة كورونا. وكانوا دون شك روّاداً. لأنهم أول من تبّرع، والأهم من ذلك هم أوّل من تبرعوا طوعاً وربما _ ولست متأكداً_ أنهم الوحيدون أو من القلة التي تبرعت طوعاً.
ويسجل هذا الموقف للمعلمين ونقابتهم، لأن ما تبرعوا به فاق نصف رأسمالهم!
وما هي إلّا شهور حتى تطورت الأمور تحت ضغط كورونا بوقف صرف المكافآت لجميع العاملين في الدولة ومنهم المعلمون!! وكان من نتائج ذلك ظهور بعض خطاب غير حواري، نتمنى أن لا يكون ما شاهدناه من هذا الخطاب مفبركاً وغير دقيق، أو مجتزءاً لا يعبّر عما قيل، أو كلاماً مفبركاً خارج سياق ما قيل! ومهما كان هذا الخطاب فإنني أوضح ما يأتي:

1. أنا معلم _ لا غير_ منذ العام 1959 ولن أكون إلّا معلماً ومع المعلمين!
2. احتاج كمعلم إلى تحسين أوضاعي الاجتماعية والثقافية والمالية.
3. أطالب أن يكون وقف الدعم مؤقتاً وأن يعود سريعاً.
ولذلك فإني أرى أن ما حققه المعلمون من مطالبهم سنة 2019، كان بفضل دعم المجتمع لا غير. وأن الحكومة قد دعمت مطالب المعلمين بعد أن تأكدت من دعم الرأي العام لهم”.
وكان دعم المجتمع للمعلمين ناتجاً من عاملين:
– حق المعلم في تحسين ظروفه والإيمان بأن مطالب المعلمين ستنعكس إيجاباً على أبنائهم، ولذلك كان دعم المجتمع للمعلمين أملاً في تحسين تعلم أبنائهم.
– إن طبيعة الظروف سنة 2019 تحتمل ما حدث من إضراب وحوارات خشنة.
فهل ما زالت الظروف نفسها؟
لقد مررنا بأزمة كورونا، وحدثت تطورات اجتماعية واقتصادية ومالية، مررنا بها جميعاً. تاه العام الدراسي في مسارب عديدة: بداية ونهاية. وإذا كانت البداية قد وجدت حلّاً، فإن النهاية لم تجد حلاً سهلاً. فلجأنا إلى التعلم عن بعد، وبذلت وزارة التربية _الدولة_ جهداً لإنقاذ العام الدراسي، وها نحن شارفنا على نهايته، ونستعد لامتحان التوجيهي فإنني أرى شخصياً “ولست مدفوعاً من أحد” ما يأتي:
– علينا التضامن الكامل مع جهود إنقاذ العام الدراسي، والدخول الآمن إلى عام دراسي جديد حافلٍ بالأمل وقادر على الاستمرار، سواء بقيت كورونا أم زالت.
– نحن بحاجة إلى الاستقرار والهدوء لإنجاح العام الدراسي القادم بعيداً عن أي توترات.
– إن المجتمع _قد_ لا يدعم أي مطالب لأحد في ظل هذه الظروف، خاصة إذا لم تكن المطالب:
– معقولة.
– مناسبة للظروف.
– قانونية.
– حوارية وهادئة.
وهذا قد يعني أن هذا التوقيت هو توقيت العمل المشترك مدارس ووزارة ونقابة، مقترحاً تشكيل لجنة وطنية من خبراء ونقابة ومسؤولين حكوميين للتخطيط لعام دراسي هادئ.
فماذا نحن فاعلون؟

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock