أفكار ومواقف

نحو عصف ذهني شامل

“الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه”
تؤشر اتجاهات التدوين في شبكات التواصل إلى ثلاث حالات على الأقل: حشد وإغراق إعلامي يشتت أكثر مما يجمع، وانسياق يضعف الحراك الاجتماعي والإصلاحي، وتأثير أو محاولات للتأثير لأجل الإصلاح في قضايا وأفكار عملية، ولم تظهر بعد مبادرات عملية واضحة لبناء وتشكيل مجموعات للتفكير والتأثير والجدل في المكونات العملية والحقيقية للمجال العام، ويبدو واضحا أن الخطاب الحكومي السياسي لم يلاحظ بعد أو لا يريد أن يلاحظ نهاية التنظيم المركزي للاتجاهات والأفكار، وأسوأ من ذلك أن ما تقدمه الحكومة والنخب المحيطة بها ليس سوى إقناع الناس بما يعرفونه، ولا يضيف إليهم شيئا، والأسوأ من ذلك كله تجاهل المواطنين وإغفال موقعهم المفترض في الجدل والتأثير، وإغفال الحقائق التي يعرفها معظم الناس. يبدو أن الخطاب الرسمي يعكس اعتقادا بأن الناس لا تعرف إلا ما يقدم في المنصات الرسمية! وإذا كان هذا الاستنتاج صحيحا فإنها حالة عزلة عما يجري ويتداول أو ما يقدره ويحتاج إليه ويريده المواطنون، وإذا لم يكن ذلك صحيحا، فالأمر أسوأ من العزلة، إنه الاستخفاف بالمواطنين والاستعلاء والوصاية عليهم.
صحيح بالطبع أنه لم تتشكل اتجاهات مجتمعية فاعلة وعميقة تستوعب الوعي المفترض تشكله حول هذا التدفق المعرفي وما يتبعه من تحولات كبرى وعميقة، ولكن مسؤولية الحكومة والنخب أن تقود عمليات وعي جمعي حقيقي، وليس توظيف التشتت المجتمعي وضعف المنظمات الاجتماعية والأحزاب السياسية في تكريس الغيبوبة، .. ما يجري في الفضاء العام من أداء سياسي وإعلامي أقرب إلى حفلات الزار!
الحدس البديهي تجاه ما يجري حولنا وفي العالم أن ننشئ عمليات تفكير واستشعار كثيفة وشاملة، فليس لدينا ما نملكه في إدارة واستيعاب هذه التحولات السريعة والعميقة التي تجري في عالم اليوم سوى وعي جمعي عقلاني يكون إدراكا مطابقا للواقع أو قريبا منه، أو على الأقل يعمل على نحو صحيح للوعي بالواقع وفهمه فهما صحيحا، وفي ذلك يمكن قبل فوات الأوان إدراك أو تقدير الأولويات والضرورات المستجدة في إعادة التعليم والتأهيل وبناء المهارات والأعمال الجديدة، وتخفيض المقاومة المتوقعة للتغيير الضروري والمطلوب، ففي كل واقع قائم تتشكل طبقات ومصالح حول هذا الواقع تتمسك به وتقاوم بطبيعة الحال التغيير المقترح والمصاحب للموارد والأعمال والتحولات الجديدة، وهذا يؤخر الاستجابات المطلوبة، ويعوق التكيف الضروري مع هذه التحولات والاستجابات.
إن الثقافة (وتشمل الوعي والذكاء الجمعي) تتشكل تلقائياً أو على نحو شبه تلقائي كمحصلة للمنظومات الاقتصادية والسياسية، فالأمم تتشكل حول أعمالها ومواردها ومصالحها واحتياجاتها.
كيف نستشرف المستقبل الذي لم نستوعبه بعد، والذي يتشكل على نحو منقطع الصلة بالماضي والحاضر (إلا قليلا منه) ثم كيف ننشئ الوعي والقيم والثقافات اللازمة لاستيعاب هذا المستقبل على النحو الذي يؤدي إلى الازدهار والسلام الاجتماعي؟
البداية التي لا يمكن تخطيها في إدارة المواجهة مع التحديات هي ثقافة جمعية عقلانية يشارك فيها جميع المواطنين بلا استثناء لأحد وعلى قدم المساواة ومن غير وصاية أو تشتيت على نحو الذي يؤدي إلى تشكيل السياسة والأسواق والمدن؛ إذ لا يمكن استيعاب الصدمة الناشئة بغير وعي جديد وبناء تشكلات اجتماعية وثقافية جديدة تمكن الدول والمجتمعات من إعادة تنظيم نفسها. وبغير ذلك تدخل الأسواق والأعمال والمجتمعات في حالة من الفوضى والخوف والتطرف.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock