حياتناصحة وأسرة

“ندرة” أطباء نفس الأطفال تدفع الأهالي لمراجعة العيادات النفسية العامة

تغريد السعايدة

عمان- الإساءة، الإهمال، العنف.. مشاكل نفسية تواجه الأطفال وتسلبهم الإحساس بالأمان والاستقرار، هذا تماما ما يجعل اللجوء للطبيب النفسي المختص بالطفولة أمرا في غاية الأهمية.
هؤلاء الأطفال لديهم حاجة ماسة لكل من التأهيل البدني والنفسي، بإعادة دمجهم اجتماعيا ضمن بيئة تمنحهم الثقة بأنفسهم وتساعدهم على احترام ذواتهم والعيش بكرامة.. كلها أمور تؤكد ضرورة الاهتمام بهذا المجال، لتجاوز حقيقة واحدة هي ندرة الأطباء المختصين بـ”نفس الطفل”، والعمل على حمايتهم من أمراض كثيرة قد ترافقهم مدى الحياة. ورغم الحاجة الملحة للاستشارات النفسية للأطفال، إلا أنه قلما نسمع بـ”أخصائي طب نفس أطفال”، في ظل الأعداد المتواضعة للأطباء في هذا المجال.
ولتأكيد أهمية أن يجد كل طفل يعاني من “مشاكل نفسية” الرعاية اللازمة، فإن العالم أجمع على أهمية توفير الدعم اللازم من خلال المادة (39) من اتفاقية حقوق الطفل، التي تنص “على أن تتخذ الدول الأطراف كل التدابير المناسبة لتشجيع التأهيل البدني والنفسي وإعادة الاندماج الاجتماعي للطفل الذي يقع ضحية أي شكل من أشكال الإهمال أو الاستغلال أو الإساءة، أو التعذيب أو أي شكل آخر من أشكال المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، أو المنازعات المسلحة ويجرى هذا التأهيل وإعادة الاندماج هذه في بيئة تعزز صحة الطفل، واحترامه لذاته، وكرامته”.
وفي الأردن، هنالك شح في عدد الأطباء النفسيين والاستشاريين؛ إذ يؤكد استشاري الطب النفسي والإدمان ومدير المركز الوطني للصحة النفسية الدكتور نائل العدوان، أن الأردن يعاني تقلصا شديدا في عدد الأطباء النفسيين المختصين في مجال الطفولة بالمسمى العلمي لها، باستثناء طبيب واحد في مستشفى المؤسس الملك عبد الله في الرمثا.
ويرى العدوان خلو الأردن من التخصصات التي تُدرس “علم نفس” الأطفال، وقد يكون ذلك سبباً في وجود هذا النقص الكبير في العدد، غير أن ذلك لا يعني عدم وجود أطباء ومختصين نفسيين لهم القدرة على معالجة الأطفال في الكثير من المشاكل النفسية التي قد تمر بهم خلال فترة طفولتهم، والتي تتراوح ما بين الفئة العمرية من سنتين وحتى السابعة عشرة من العمر.
ويضيف “والدليل على ذلك وجود نسبة كبيرة من الأطباء والاختصاصيين الذين يستقبلون ما نسبته 20 % تقريباً أطفالا من ضمن المراجعين في العيادات النفسية”.
ويشدد العدوان على ضرورة أن يتخذ الأهل الإجراءات اللازمة لمراجعة الأطباء النفسيين المختصين بغض النظر عن المسمى؛ حيث إن أغلب الأطباء لديهم الكثير من الخبرة لمتابعة الحالة النفسية للأطفال، كما الكبار.
ويوضح “وهذا يعني متابعة حالة الطفل منذ ظهور الأعراض الأولية، كما في فرط الحركة أو الاضطراب في المسلك السلوكي والتحصيل العلمي المتدني للأطفال في سن الدراسة أو أي تغيير غير طبيعي على الطفل يلاحظه الوالدان أو المقربون”. وبحسب إحصائيات نشرت خلال العام الماضي، فإن تقارير المركز الوطني تقدر أعداد المصابين بالاضطرابات النفسية المختلفة في الأردن بمليون و750 ألف شخص، بمن فيهم الأطفال والبالغون، على الرغم من وجود حالات عديدة قد لا يتم تسجيلها من ضمن الإحصائية، نظراً لعدم مراجعة تلك الحالات للمراكز الطبية المختصة بالصحة النفسية، وهذا قد يجعل الرقم غير دقيق وفق العديد من الأطباء والمختصين النفسيين في الأردن.
وتفيد إحصائيات منظمة الصحة العالمية بأن “شخصاً من كل أربعة أشخاص يعانون من أعراض لها علاقة بالصحة النفسية وبحاجة للمتابعة أو العلاج النفسي”.
الخبير والمستشار التربوي الدكتور عايش النوايسة، يقول “إن هناك العديد من الأسباب التي قد تؤدي إلى تقلص أعداد الأطباء المختصين في مجال علم نفس الأطفال بشكل عام، ومن ضمنهم الأسرة والمنظومة التربوية، وعليه ينظر الناس إلى عيادة الطبيب النفسي بعين من الريبة والخوف والتوجس”. ويعلل “وذلك نتيجة موروث ثقافي خاطئ؛ إذ إن المرض النفسي مثيل للمرض العضوي، وشيء طبيعي يحدث للإنسان نتيجة الظروف الحياتية، والتكوين النفسي الذي يعيشه الإنسان ويتعايش معه، لذا تتولد سلوكيات وممارسات تتطلب مراجعة الطبيب النفسي للتغلب عليها، والعيش في المجتمع والتفاعل معه بصورة إيجابية”.
كما ويبين النوايسة أن المتتبع لواقع الثقافة النفسية لدى الناس يجدها في أدنى درجات السلم، على العكس من الثقافة الصحية الجسدية، والتي تصل إلى مرحلة وصف الإنسان الدواء الخاص به، ومعالجة نفسه بنفسه.
ويتابع “لذا فإن إيجاد ثقافة نفسية عمادها الاعتماد على الطبيب أو المستشار النفسي يتطلب من الأسر تبني هذه الثقافة أولاً، ومن ثم توعية الأبناء بالظروف الصحية النفسية الإيجابية التي يعيش بها الإنسان، وإن أي خلل فيها يتطلب مراجعة المختص، وهو الطبيب النفسي أو المرشد النفسي وهكذا”.
كما ينوه النوايسة إلى أهمية التوعية في المرحلة العمرية “الطفولة واليافعين”، في أكثر من جانب، ومنها على مستوى المدرسة التي يجب أن تتولى نشر الوعي بالثقافة النفسية، وأن تكون جزءاً من منظومة النمو الصحي والنفسي السليم للطفل، والتي تعد عماد عمليات التعلم والتعليم، ولا بد للمرشد النفسي في المدرسة من ممارسة دوره بصورة إيجابية وتوعية الأطفال بأهمية المراجعة للأخصائي النفسي حال وجود مشكلة حياتية أو نفسية تواجههم. إلى ذلك، فإن النوايسة يشيد بدور الإعلام من حيث أهميته في التوعية بالسلامة النفسية، والمحافظة عليها من خلال الاعتماد على مرجعية طبية متخصصة؛ إذ إن الدراسات أثبتت أن 90 % من الأمراض النفسية يمكن علاجهـا في حال التشخيص المبكر لها.
وبحسب مسح إحصائي لدائرة الإحصاءات العامة، حول السكان والصحة الأسرية في الأردن للعام 2017-2018، فإن 76 % من الأطفال المشمولين بالمسح تعرضوا للعقاب النفسي في المرحلة العمرية لغاية 14 عاما، ما يعني ذلك وجود حاجة مُلحة للمتابعة النفسية الصحية لهم، بيد أن الظروف المحيطة بالأطفال هي ما تحدد إمكانية توجههم للعلاج أم لا، وما يتبع ذلك من تبعات نفسية سيئة على المدى البعيد.
وفي الوقت ذاته، تؤكد أخصائية نفس الأطفال أسماء طوقان، أنها اختارت أن تكون متخصصة في مجال “نفس الأطفال” فقط، رغم أن تخصصها العلمي هو علم النفس العام، غير أن التخصص في مجال الأطفال تطلب منها البحث والتقصي والحصول على الدورات المختلفة، لتكون على دراية بكل ما يخص الأطفال من الناحية النفسية.
وتشير طوقان إلى أن الكثير من الأهالي قد يتجنبون التوجه للعيادات النفسية نظراً لارتفاع التكلفة التي تطال مجال الطب والاختصاص النفسي، عدا عن “وصمة الخوف من المجتمع” التي يمكن أن ترتبط بالطفل حتى عمر طويل، في حين أن العدوان يعتقد أن الوعي المجتمعي أصبح أكثر، وارتفاع عدد الأطفال المراجعين دليل على لفت الانتباه إلى أهمية المراجعة منذ السنوات الأولى لعمر الطفل.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock