أفكار ومواقف

نزهات عسيرة في ظروف صعبة

الحديث عن جمال الأردن وسحر الطبيعة ودعوة الناس إلى الزيارة والاستمتاع بالخضرة والتنوع والمناخ المعتدل تقليد حرص الجميع عليه وكرسته البرامج التلفزيونية الصباحية منذ ان اطلقت الراحلة فكتوريا عميش فقرة صباح الوطن الجميل قبل ما يزيد على ربع قرن، وبقيت عبارة “الوطن الجميل” على ألسنة الأردنيين يرددها البدوي والريفي والحضري كلما واجه ميكروفونا او وجه له سؤال عن اوضاع البلاد واحوال العباد.
مع كل هذا التدفق العاطفي والرومانسية في احاديثنا ما يزال زوار الارياف والمتنزهات وحتى المواقع السياحية يواجهون العديد من العقبات ويشكون من الفوضى وغياب التنظيم وفقر المرافق وانعدام الخدمات فلا مواقف للسيارات ولا اشارات ارشادية، فهم يتوجهون إلى مواقع قد تخلو من المرافق الصحية المناسبة والحمامات النظيفة التي تحفظ كرامة الانسان وتوفر له الراحة.
في المواقع الخالية من التنظيم والادارة السياحية يستبيح الزوار المكان ويحولونه إلى فضاء متعدد الاستخدامات فيغلقون الشوارع ويخترقون المزارع الخاصة ويشعلون النيران ويلقون بالقمامة والفضلات في مختلف ارجاء المكان.
المزاج الحاد للزوار وتدني الاستعداد لتقبل الغير ممن يشترك معهم في الاستخدام سمة يسهل ملاحظتها ورصد أعراضها ومؤشراتها في سلوك الناس واتجاهاتهم نحو البيئة والدولة والمناطق التي يقصدونها للتنزه. في الكثير من المناطق التي يقصدها المتنزهون تتكدس السيارات بشكل عشوائي ولا يتردد البعض في الدخول إلى الحقول المزروعة بالقمح او الشعير بسياراتهم او في اتخاذ جزء من الحقل المزروع موقعا لهم، فيفردون فراشهم ويشعلون النيران ويدوسون الزرع ويلقون بالنفايات على امتداد المكان دون ادنى اعتبار لمشاعر وإرادة الملاك الفعليين لهذه الحقول او الاحساس بأنهم قاموا بأي تعد على الطبيعة وجمالياتها.
في حالات اخرى يشعل البعض النار بالقرب من جذوع الاشجار الحرجية المعمرة غير آبهين لأثر ذلك على احتمالية قتل هذه الاشجار وامتداد النيران لأغصانها وأوراقها.
البيئة والطبيعة الأردنية الخلابة تتعرض لأشرس انواع التعديات التي تتم على مسمع ومرأى الجمعيات والمؤسسات التي تنهض بمسؤوليات الحماية والتوعية والتثقيف البيئي فلا وجود للشرطة البيئية ولا للجمعيات والهيئات التي تتنافس على التمويل تحت شعارات وعناوين يصعب أن تجد مثيلا لتفصيلاتها في البرامج وشاشات العرض ومحاضرات الخبراء الذين لا يتغيبون عن أي مؤتمر محلي او اقليمي او دولي.
منذ اسبوع حملت وسائل التواصل الاجتماعي صورا مرعبة للمذبحة التي ارتكبها صيادون عرب على الحدود الأردنية السورية وذهب ضحيتها أعداد من الغزلان البرية النادرة والطيور المحلية والمهاجرة وأسراب من طيور الشنار الذي توقع الخبراء تكاثرها في هذا الموسم الاستثنائي. الصور التي عرضها الصيادون العرب توحي بحجم الفساد والإهمال والتواطؤ الذي سمح لهؤلاء العابثين بممارسة افعالهم في الموسم الذي تضع فيه الطيور بيوضها وتتكاثر فيه الحيوانات النادرة في مناطق طالما اشتكت من شح الموارد وفقر البيئة المناسبة للتكاثر.
بموازاة ما يحدث من صيد جائر في البادية الشمالية تتعرض مناطق التنزه في عجلون وجرش والاغوار ومحافظات اربد والمفرق والبلقاء وغرب الزرقاء إلى ما يشبه الاجتياح الذي ينفذه مئات الآلاف من المتنزهين ممن لا يحملون ادنى درجات الاحترام للبيئة أو الزراعة أو الأرض.
في تسعينيات القرن الماضي اطلقت جمعيات البيئة الأردنية حملة اعلانية للحفاط على البيئة وتعديل الاتجاهات والسلوك الذي يقوم به كثيرون ويترك آثارا سلبية على هيئة تلوث بصري ومادي وصوتي، وللحد من إلقاء النفايات وإشعال الحرائق وتقطيع الأشجار وقتل الطيور والحيوانات واصدار الضوضاء والضجيج الذي اصبح مرتبطا بالفضاءات العامة واماكن التنزه والطرقات.
بعد سنوات توقفت الحملة وظهرت اعداد كبيرة من الجمعيات البيئية التي لا ترى لها وجودا الا على صفحات التواصل الاجتماعي ومؤتمرات فنادق الخمس نجوم وحفلات الاستقبال التي تقيمها السفارات ومؤسسات التمويل.
سلوك وممارسات المتنزهين تعبير واضح عن قصور مؤسسات الدولة المعنية في بناء الإنسان وعجز المؤسسات الخدمية واجهزة التخطيط عن توفير البنى التحتية اللازمة لخدمة الناس والحفاظ على كرامتهم وتدهور علاقة الانسان بالدولة والقوانين والقيم التي نتشدق بها.
المواطن الأردني يعاني من نقص الخدمات في الحدائق والمتنزهات فلا مياه ولا حمامات او مواقف سيارات وحاويات لجمع القمامة. من الصعب الاستمرار في لوم المواطن واتهامه بالتقصير في البيئات والاماكن الخالية من الخدمات والتشريعات والمعلومات والادارة.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock