تحليل إخباري

نزهة…

د. لانا مامكغ

صاحَ الأطفالُ بفرح: «شجرة… شجرة»!
نظرَ إلى حيثُ أشاروا، ليظهرَ له مكان مناسب بسبب بعده عن باقي المتنزّهين، اقتربَ بسيارته يتبعه جارُه مع أسرته التي بدت بدورها سعيدةً لهذا الاكتشاف!
نزلوا، فوقفَ الرّجلان حائرَيْن أمام أكوام القمامةِ المتناثرة في الأرجاء، في الوقت الذي بادرت فيه الزّوجتان لجمعها، ووضعها في كومةٍ كبيرة، قرب صخرةٍ مجاورة!
حملَ الأطفالُ البساطَ، والفرشات الإسفنجيّة، والمساند، ورتّبوها، فجلسَ الرّجلان بعد أن أمروهم بالّلعب بعيداً… ليقولَ الأوّل: «هلا بالجار… جيران الهنا والله»، ثمَّ أردفَ بأسى وهو يتلفّتُ حوله: «الطّبيعة حلوة، لكن انظر حولك، ما كلّ هذه القاذورات؟ ظاهرةٌ غريبة فعلاً يا رجل!».
ولم يكد يُنهي عبارتَه حتى وصلهما صوتُ بكاءٍ لأحد الأطفال، ليعرفا فيما بعد من إحدى السّيدتين أنّه جرحٌ في القدم بسبب زجاجٍ مكسور…
قال الثّاني: «ليتني أفهم لماذا يستمتع المتنزّهون بنثر القمامة، وتكسير القوارير الزّجاجيّة بعد الانتهاء منها… نزعةٌ ساديّة بالفعل!».
علّق الأوّل وهو يُشعلُ سيجارة: «لقد فكّرتُ كثيراً في هذه الظّاهرة، وأظنُّ أنّي وجدتُ سبباً له علاقة بالطّبيعة التّاريخيّة السّياسيّة لهذه المنطقة التي تعرّضت عبر قرونٍ طويلة إلى أصنافٍ وألوانٍ من الاحتلال، فرسخَ في الّلاوعي الجمعي أنَّ أيّ تخريبٍ أو إساءة للمحيط، أو للمرافق العامّة هو فعلُ مقاومة… هذا يُفسّر الكثير من ممارسات النّاس حتى يومنا هذا».
فأجاب الثّاني وهو يرمقُ السّيّدتين المنهمكتين في إعداد الطّعام وقد بدأ يشعرُ بالجوع: «وجهة نظرٍ سديدة يا جار، لكن لديّ تبريرٌ آخر مفاده أنّنا نحن العرب أهلُ ترحال، لذلك، فعلاقتنا بالمكان علاقةٌ واهية، بسبب كثرة التّنقّل بحثاً عن الماء والكلأ… ولقد حملنا هذه البذرةَ معنا عبر الأجيال…».
علّقَ الأوّلُ وهو يزدردُ قطعةَ خبزٍ مع حبّةِ بندورة: «مبهورٌ أنا بثقافتك الرّفيعة يا جار، فعلاً هذا ما تقوله مبادئ علم (الأنثروبولوجي) التي تفيد بأنَّ مجموعة الظّروف المُناخيّة والجغرافيّة والاقتصاديّة التي تعيشُها الأجيال البشريّة تتسلّلُ إلى جيناتها، فتتعزّزُ في سلالاتها الّلاحقة!».
قال الثّاني بحماسة: «يا سلام، رأي ينمُّ عن سعةِ إدراكٍ وبعد نظر… كم أنا سعيدٌ إذ وجدتُ ضالّتي أخيراً في صديق وجارٍ بثقافتك، وسعة اطّلاعك».
فشكره الأوّلُ باقتضاب، قائلاً: «بعضٌ ممّا عندكم يا صاحبي، أنت أيضاً موسوعيّ المعرفة ما شاء الله»، ثمَّ مسح يديه بطرف دشداشته ليضيفَ بعد أن أشعلَ سيجارة: «الوعي البيئي لدينا معدوم يا رجل، هل تعلم كم من الزّمن يحتاجه عقب السيجارة هذه حتى يتحلّل في التّربة؟».
فأضاف الثّاني وهو يُبعدُ أسرابَ الذّباب الذي انقضَّ على طبق السّلطة أمامهما: «معك حق، كما أنَّ ثقافتَنا الجماليّة معدومة كذلك، إذ ليست الخطورةُ في مشهد القاذورات هنا وهناك، بقدْرِ ما هو في اعتيادنا مشاهدتها، واعتبارها أمراً عاديّاً لا يُثيرُ الاستياء…».
وفي الوقت الذي تهيّأ فيه الأوّل لطرح الإحصائيّات المتعلّقة بالفاقد من الماشية بسبب بلعها الأكياس البلاستكيّة المتناثرة في الحقول وأماكن التنزّه… اقتربت الزّوجتان بأطباق الطّعام، فتهلّلت أساريرُهما… وانهمك الجميعُ في الأكل، ثمَّ شربوا الشّاي، ليقضوا بقيّة النّهارِ في تناول المكسّرات والفاكهة والحلويّات…
وهكذا حتى أقبلَ المساء، فجمعت المرأتان الأغراض، ومضى كلٌّ من الرّجلَين نحو سيّارته مع أفرادِ أسرته، ليغادروا بعيداً تاركين وراءهم مخلّفات الرّحلة كلّها من مناديلَ مستعملة، وبقايا مأكولات، وكميّاتٍ من الصّحون والأكواب والأكياس البلاستيكيّة… وأعقابِ السّجائر!

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock