صحافة عبرية

نسير إلى الأزمة بعيون مفتوحة

هآرتس

بقلم: عاموس هرئيل

14/4/2021

الأشخاص الذين جلبوا لكم في صيف 2014 حرب زائدة كان يمكن منعها في قطاع غزة، 51 يوما دون حسم في عملية الجرف الصامد – متورطون في معظمهم ايضا فيما يحدث في هذه الأيام، الزحف المستمر والخطير نحو امكانية مواجهة عسكرية أكثر شدة مع إيران. بنيامين نتنياهو، بني غانتس وافيف كوخافي، جميعهم كانوا هناك، في ذاك الصيف البائس قبل سبع سنوات. الأخيران حصلا الآن على ترقية، من رئيس أركان إلى وزير دفاع، ومن رئيس قسم الاستخبارات العسكرية إلى رئيس الأركان. موشيه يعلون الذي كان في حينه وزير الدفاع لم يعد موجودا في الصورة.
الآن، إسرائيل يمكنها بقيادتهم أن تجد نفسها في ورطة بحجم أكبر كليا. هذه هي صورة الوضع، عشية عيد الاستقلال الـ 73، تحت حكم نتنياهو. من الأفضل عدم الانجرار خلف تصريحات رئيس الحكومة الواثقة والمتغطرسة في الاحتفالات الرسمية. إلى جانب الخطر الداخلي – شرخ خطير بين المعسكرات الصقرية، تحطيم جهاز القضاء ورائحة متواصلة من العنف السياسي في الهواء – يظهر ايضا الخطر الخارجي الذي تشكله احتمالية التصادم مع إيران.
أمس تم تسجيل فصل آخر في التصعيد، في اعقاب هجوم ثالث خلال شهرين على سفينة تجارية بملكية إسرائيل في بحر العرب.
إسرائيل عملت من تحت الرادار ضد سفن إيرانية، معظمها قام بتهريب النفط إلى سورية خلال ثلاث سنوات، بعد سلسلة المنشورات حول ذلك، منذ شباط الماضي، غيرت إيران سياستها وبدأت بالرد: سفينة مقابل سفينة.
خلافا للانطباع الذي يمكن أن يتولد، ليس كل شيء يتم قطعه حسب خطوط الصدع السياسي. نتنياهو ذاهب إلى هذه الازمة بعيون مفتوحة، يدا بيد مع غانتس، رغم العداء بينهما. في كل ما هو متعلق بتشكيل الحكومة القادمة، فان الترسبات الشخصية بينهما كبيرة. ومن المشكوك فيه إذا كان غانتس سيوافق على أن يغفر وينسى كل ما اوقعه به نتنياهو في السنة والنصف الأخيرة. حقيقة أنه يواصل المواجهة معه واشتراط التوقيع على شراء لقاحات كورونا أخرى بتعيين وزير عدل. ولكن في الشأن الإيراني يبدو أن غانتس مقتنع بأنه هو الذي يقود وليس هو الذي يُقاد. بهذا، في الحقيقة يعدل مواقفه طبقا لنتنياهو. تحتهم يوجد رؤساء الأجهزة الأمنية والوحدات التنفيذية في الجيش وفي الموساد، جميعهم نشطون ومليئون بالمبادرات. هم يتنافسون الواحد مع الآخر على التأثير والإنجازات، احيانا هكذا يبدو، بدون الفحص التام للتداعيات الاستراتيجية.
السلوك في غزة، في الصيف الذي كان قبل سبع سنوات، يذكر بدرجة معينة بالوقت الحالي. الآن مثلما في ذلك الوقت، إسرائيل لم تحدد لنفسها أي أهداف ولم تفحص أي بدائل ولم تعد أي خطط للانطلاق. الآن هي تجر عميقا إلى داخل مواجهة وهي تزيد في كل مرة قوة الضربات الموجهة للعدو. بعد ذلك سيتحدثون عن خطأ في الحسابات، التي فيها لم يكن أي طرف من الأطراف يريد الحرب حقا. في 2014 هذا على الأقل حدث في ظل حكومة مستقرة نسبيا، في هذه المرة الكابنت لا يجتمع والحكومة الانتقالية تعمل بصعوبة وأنظمة الرقابة (لجنة الخارجية والأمن ومراقب الدولة والأغلبية الساحقة من وسائل الإعلام) تنام وهي واقفة.
في الخلفية توجد، هذا من يجدر العودة والتذكير به، ضائقة اللاعب الرئيسي. الأسابيع الأولى من محاكمة نتنياهو التي خصصت لشهادة مدير عام “واللاه” السابق ايلان يشوعا، في ملف 4000، كشفت درجة المخاطرة التي يتعرض لها رئيس الحكومة كلما طالت المحاكمة. توجد لنتنياهو حاجة ملحة في تشكيل ائتلاف جديد برئاسته الذي ربما سيجد طريقة معينة لتعويق الإجراءات الجنائية ضده.
يجب أن يتمتع المرء بقدر مدهش من السذاجة أو أن يكون تابع غبي كي يعتقد بأن هذا الجانب غائب تماما عن اعتبارات رئيس الحكومة في الساحة الأمنية.
إذا لم يكن غانتس فربما يساعد في أن يحث لتشكيل الحكومة الرافضون من اليمين، بتسلئيل سموتريتش وايتمار بن غبير وجماعتهم، رغم حاجة نتنياهو الى الاستناد (على الاقل من الخارج) الى اعضاء الكنيست من راعم، أعضاء الحركة الإسلامية. وربما ايضا الاحتكاك مع الإدارة الأميركية سيغمز لهم.
ربما ايضا أن طموحات نتنياهو هي محدودة أكثر. إذا فشل في محاولة تشكيل حكومة، على الأقل سيستعين بوضع الطوارئ الأمني من أجل أن يسحب هذه الامكانية ايضا من خصومه يئير لبيد ونفتالي بينيت ويمدد فترة ولاية الحكومة الانتقالية برئاسته. نتنياهو يعمل الآن مثل وكيل للفوضى. لأن الفوضى بالضبط تخدمه.
علامات استفهام محلقة
إسرائيل تدير بصورة موازية ثلاث عمليات هجومية ضد إيران: الصراع ضد المشروع النووي الذي يشمل حسب منشورات اجنبية اغتيالات وهجمات سايبر وتخريب في المنشآت نفسها؛ المعركة، الجوية بمعظمها، ضد زيادة القوة العسكرية وتهريب السلاح في سوريا وفي لبنان؛ ومثلما كشف مؤخرا، العمليات البحرية التي اصيبت فيها سفن تقوم بتهريب النفط، واحيانا السلاح، إلى سورية.
الجهد الأول اثمر خلال السنين عن نتائج جيدة، كما أشار هذا الأسبوع الجنرال احتياط غيورا آيلاند في مقابلة مع هيئة “كان”. تقدير الاستخبارات العسكرية في 2001 كان يقول إن إيران ستتوصل إلى القنبلة خلال أربع سنوات. وقد مرت 20 سنة وهذه النبوءة لم تتحقق. هذا لم يحدث بسبب أن إيران لم تحاول التوصل إلى قدرات نووية. حتى في القنوات الأخرى، سجل لإسرائيل نجاح عملياتي غير قليل. وفي كل الأحوال، عمليات الرد الإيرانية كانت ضئيلة جدا، وعلى الأغلب فشلت تماما.
علامات الاستفهام تحلق حول الجرعة وتوقيت العمليات الأخيرة. حسب التقارير، وقعت ثلاث هجمات في أسبوع تقريبا. الانفجار في سفينة القيادة التابعة لحرس الثورة الإيراني في البحر الاحمر، قصف جوي لارسالية سلاح في منطقة دمشق والانفجار في منشأة نتناز. هذه العمليات تنضم إلى الضربات السابقة التي تعرضت لها طهران خلال اقل من سنة، وعلى رأسها اغتيال الجنرال قاسم سليماني ورئيس المشروع النووي العسكري، العالم محسن فخري زادة (الأولى كانت أميركية والثانية نسبت لإسرائيل).
هذه العمليات الثلاث وقعت في أسبوع استأنفت فيه الدول العظمى المحادثات مع إيران في فيينا حول اتفاق نووي جديد، وحول انضمام الولايات المتحدة، في الوقت الذي فيه جاء وزير الدفاع الأميركي لويد اوستن في زيارة عمل في إسرائيل. فعليا الهجوم البحري والانفجار في المنشأة سبقت كل واحدة منها ببضع ساعات افتتاح جلسة المحادثات ومجيء اوستن. التزامن يدل على أن اختيار هذه المواعيد لم يكن صدفيا، واستهدف نقل رسالة حادة ومباشرة لايران، وربما الاهم من ذلك للأميركيين. في حين أن التراكم قد يؤدي الى تفاقم الوضع من ناحية إيران التي لم تسارع بشكل عام إلى الرد على الهجمات السابقة، فان الزعيم الروحي الأعلى، علي خامنئي، قام بتقييد الانتقام في السنتين الأخيرتين، وفضل في تلك الأشهر التركيز على الهدف النهائي وهو رفع العقوبات، وفي المقابل عودة كاملة الى الاتفاق النووي، الذي لا يفرض أي قيود صارمة أكثر على إيران مما هو موجود في اتفاق 2015 الاصلي.
معضلة إستراتيجية
هذه المرة انضم إلى الصورة عامل آخر. إسرائيل تنازلت كليا عن سياسة الغموض. رجال استخبارات غير معروفين قدموا احاطات تفصيلية عن طبيعة العمليات ومن قاموا بتنفيذها. هذه هي النقطة التي فيها اختلف غانتس مع نتنياهو. وزير الدفاع وجه أول من أمس انتقادا علنيا بشأن التسريبات وطلب التحقيق فيها. ليس لأنه يوجد لغانتس أوهام بأن يحدث ذلك. في نهاية المطاف، اثناء عملية الجرف الصامد في غزة، تسرب للقناة 2 وبتوقيت حساس عرض سري قدمه الجيش لمجلس الوزراء حول الثمن المتوقع لاحتلال غزة. بطريقة معينة لم يتم التحقيق في هذه القضية رغم الطلبات المتكررة.
المنشورات الكثيرة تخدم الصورة العامة لنتنياهو كقائد للخط الهجومي غير المتصالح ضد ايران. ولكن من غير المستبعد أنهم ايضا يدفعون إيران الى نقطة ترى فيها نفسها ملزمة بالرد بصورة أكثر شدة، بهدف الحفاظ على ميزان ردع معين أمام إسرائيل.
انتقام محتمل، وجهاز الأمن يستعد لهذا السيناريو من بداية الأسبوع الحالي، يمكن أن يشمل إلى جانب المس بسفن يمتلكها اسرائيليون، أيضا هجوم سايبر على مواقع حساسة للبنى التحتية، وحتى سيناريو متطرف، محاولة شن هجوم دقيق بواسطة طائرات بدون طيار. الإيرانيون سبق لهم وعملوا ضد مواقع شركة “ارامكو” في السعودية في خريف 2019. واحتمالية أن تجند طهران في القريب لصالحها حزب الله، هي احتمالية أقل واقعية. الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، الذي ينشغل بالازمة الاقتصادية والسياسية الكبيرة في لبنان، كما يبدو لن يتطوع لهذه المهمة.
في الخلفية لم يتضح بعد سؤال متى عرفت الولايات المتحدة عن مهاجمة السفينة الإيرانية والانفجار في نتناز. اوستن الذي سئل عن ذلك اثناء زيارته في إسرائيل رفض الاجابة على ذلك، لكنه أكد في المقابل على التزام إدارة بايدن بحل سلمي للمشكلة النووية.
لم يكن بالامكان تجاهل النغمة الحاسمة والموجزة التي تحدث بها الوزير الضيف عن مشكلة إيران. لم نسمع منه خطابات عن الالتزامات التاريخية للولايات المتحدة بمنع تهديد نووي لإسرائيل. وحتى الزيارة التقليدية في مؤسسة “يد واسم” لم تستخرج من اوستن عبر الكارثة المحببة على رئيس الحكومة. لا شك أن نتنياهو يوجد في ذروة عملية فطام طويلة ومؤلمة في اعقاب الانفصال عن دونالد ترامب.
كل شيء كان في هذه المرة بارد وموضوعي. ويمكن التخمين بأن العلاقات ستزداد برودة، اذا تبين أن الأميركيين حقا تفاجأوا من الحادثة في نتناز. في المقابل، مثلما يشيرون في إسرائيل، الانفجار في المنشأة، كما يبدو، شل قدرة إيران على تخصيب اليورانيوم لأشهر كثيرة. بذلك، سحبت من إيران ورقة مساومة رئيسية في المفاوضات مع الدول العظمى على الاتفاق النووي المحدث، وهذا بالضبط يساعد الأميركيين.
لقد مر يوم تقريبا من التشويش في طهران الى أن اتهم النظام بشكل مباشر إسرائيل بالمسؤولية عن الانفجار في نتناز. وزير الخارجية الإيراني، جواد ظريف، توجه الى مجلس الأمن وقال إن الأمر يتعلق بجريمة حرب لإسرائيل. وأضاف بأن العملية كانت مقامرة سيئة بالنسبة لإسرائيل وأنها ستقوم بالرد عليها.
العقيد احتياط اودي افينطال، من معهد السياسات والاستراتيجية في المركز متعدد المجالات في هرتسليا، كتب أمس في موقع المعهد بأن المفاوضات بين إيران والدول العظمى تكشف موقف ضعف لواشنطن ازاء الشعور بالالحاحية الذي تبثه بشأن الحاجة إلى التوصل الى اتفاق. إسرائيل، كما يعتقد، وجدت نفسها في معضلة استراتيجية. هل تقود الى مواجهة علنية مع إدارة بايدن مثلما تصرف نتنياهو امام إدارة أوباما في 2015، أو تحاول تعميق التعاون معها في محاولة لتأمين مصالحها الإستراتيجية في المفاوضات.
افنطال غير متفائل. وحسب أقواله “اسرائيل تبدو كمن اختارت بديل مقاربة المواجهة، بالتأكيد إذا كانت تقف من وراء العمليات المنسوبة لها ضد إيران”. وقد حذر من أن هذه المقاربة، يمكن أن تتضح كنسخة ثانية للخطأ الذي حدث قبل ست سنوات عندما لم يمنع خط المواجهة الذي اتبعه نتنياهو الأميركيين من التوقيع على الاتفاق. الآن ايضا، الدول العظمى الاخرى تؤيد موقف بايدن. في هذه الظروف إسرائيل يمكن أن تجد نفسها في عزلة والتهديد النووي سيتحول من تحد عالمي إلى مشكلة إسرائيلية.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock