أفكار ومواقف

نصف الحقيقة ونصف الثورة

في الذكرى الثالثة للثورة المصرية التي أطاحت بحكم الرئيس حسني مبارك، يبدو المشهد المصري ملتبسا أكثر من أي وقت سابق.
إذ ثمة محاولة مستمرة تذهب إلى أن ما حدث هو نصف الثورة المطلوبة، فيما النصف الآخر ينتظر، ويحتاج إلى عملية سياسية طويلة، ونخب تتحمل مسؤولية إنجاز المهمة. وهذا ما استدعى ما يسمى بالشرعية الثورية؛ مرة بالنزول إلى الشارع وبعودة العسكر وتأجيل خيار التحول المدني، ومرة بتبرير أي سلوك رسمي يؤجل الخيار الديمقراطي.
على كل الأحوال، هذا يعني غياب نصف الحقيقة، والتي تعني أن الذين ثاروا في ميدان التحرير في الخامس العشرين من كانون الثاني (يناير) 2011، هم مدنيون؛ كانت مطالبهم  الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، وهي ما يتفق عليها الجميع. والأداة والمنهج الوحيدان للوصول لهذه المطالب، هو التحول الديمقراطي المدني، وهو النصف الثاني للثورة، وأي محاولة لتسويف أو تأجيل هذا المسار، ستعني بالمعنى التاريخي والعلمي أن الثورة لم تكتمل.
ما حدث خلال هذه المرحلة، يشبه عملية استهلاك للجيوش العربية في مواجهات داخلية وخارجية، بعيدا عن عقائدها المفترضة، وأهدافها الاستراتيجية التي وجدت من أجلها؛ وصولا إلى فك ارتباطها بالشعوب، وتشويش هدفها في حماية وحدة التراب الوطني. وهو الأمر الذي يبرز بشكل جلي هذه الأيام؛ بفقدان بعض هذه الجيوش ثقة الشعوب، وتدهور قيمتها الحسية والمعنوية معا، حينما نقلتها التحولات الجارية من صورة الجيش الحامي للوطن، إلى صورة القوة المتآمرة أو الموظفة للقتل، أو تلك المؤسسات التي تتحين الفرصة للقفز على السلطة.
إذ تجري عملية شبه ممنهجة، منذ العام2011، لجر الجيش المصري إلى اللعبة السياسية، وبالتالي اختراق عقيدته الاستراتيجية، تمهيدا لسيناريو يهدف في النهاية إلى حرفه عن أهدافه الاستراتيجية. هذه العملية نلاحظها هذه الأيام بشكل واضح، ويساهم فيها طرفا الصراع، عبر سلسلة من الأخطاء المتبادلة. ومن المؤسف عملية التشويه هذه التي يتعرض لها الجيش المصري، على الرغم من الدور الوطني الكبير الذي قام به في حماية الثورة في كانون الثاني (يناير) 2011.
توجد ثلاثة هواجس تسيطر على تفكير الجماعات العربية الناقدة التي أخذت بالانسحاب من التفاؤل بمستقبل الثورات والتحولات العربية.
الأول، يبدو في سيناريو تدويل العالم العربي، نتيجة لركوب الغرب موجة التحولات العربية، والرغبة الواضحة في استثمار هذه التحولات في إعادة إنتاج العلاقة بين الشرق والغرب؛ ما يتطلب إطالة فترة الفوضى وحالة الانتقال لأكثر مدى ممكن، وبما يعني اعتراض المسار التاريخي الذاهب نحو انتقال القوة والثروة من شمال العالم إلى جنوبه وشرقه، وبالتالي انقاذ اقتصادات الغرب التي تعاني من أزمات مزمنة، وحالة ركود طويلة؛ أي وقف الزحف الأصفر عبر طريق الحرير الجديدة، بإعادة السيطرة على قلب العالم القديم.
أما الهاجس الثاني، فهو الخوف من شبح الدولة الدينية المغلقة، والمرتبطة بمحددات اجتماعية وثقافية محلية، قد تجد مصلحة مع قوى خارجية، تجعل مشهد الشرق الأوسط بعد عقدين إقليما تصطف فيه سلسلة من الدول والإمارات  الدينية؛ من إسرائيل وصولا إلى إيران، وفي الوسط عدد من الإمارات والدول السنية والسلفية.
أما الهاجس الثالث، فيتمثل في إعادة إنتاج الأنظمة السابقة، تحت وصاية نخب عسكرية جديدة.
المهم أننا اليوم بالمجمل أمام أنصاف ثورات، وتحولات مقطوعة وغير مكتملة. والأكثر مرارة أن ما يعرفه الناس هو نصف الحقيقة.

[email protected]

basimtweissi@

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. من المستفيد ؟
    نعم مايحدث في البلاد العربية هو استنزاف الى الجيوش العربية ابتدا من العراق ومصر وسوريا ،هذه الدول الثلاث كانت تملك اكبر جيوش في المنطقة، تصور لو ان هذه الجيوش صمدت وتحولت البلاد الى ديمقراطية حقيقة كيف يكون الوضع ، ولكن للاسف فان هذه الجيوش تخلت عن عقيدها العسكرية وابعدت عن هدفها الاساسي ،وبتفتت هذه الجيوش وارهاقها داخليا فان المستفيد قطعا لن تكون المجتمعات العربية وانما اسرائيل والغرب،الحقيقة الوحيدة الواضحه ان الغرب واسرائيل لن يسمحوا بديمقراطية في البلاد العربية حتى لو كانت قشور .فالديمقراطية لهم والعبودية لنا .

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock