أفكار ومواقف

نصف كأس مليء على مشارف العام الجديد

يودع الأردنيون غدا عاما آخر، ربما كان الأقسى معيشيا واقتصاديا على أغلب طبقاتهم في سلسلة أعوام “التصحيح الاقتصادي” الممتدة منذ أكثر من عقدين دون أن تتحقق وعودها باستقرار مالي واقتصادي، وتعافي الاقتصاد الوطني من كبوته الطويلة، حيث تتزايد المديونية العامة للدولة ويستمر العجز بالموازنة رغم كل الرسوم والضرائب والأعباء المعيشية التي انهالت فوق رؤوس الناس، هاوية بهم وبأوضاع أسرهم الى القاع.
ورغم أن الاردنيين اعتادوا تواصل رحلة الهبوط لأوضاعهم المعيشية على مدى السنوات القليلة الماضية، فإن العام الذي نودعه، كان الاكثر قسوة وشدة اقتصاديا ومعيشيا على الناس، بعد أن ظهرت تداعيات وآثار رفع نسبة ضريبة المبيعات على قائمة واسعة من السلع والخدمات، الأساسية وغير الأساسية، في السنتين الأخيرتين، وبعد تواصل مسلسل رفع اسعار المحروقات وما تركته من رفع على كلف النقل والتدفئة والانتاج.
ما فاقم الأزمة الاقتصادية والمعيشية هذا العام ايضا ظهور آثار السياسات الاقتصادية والمالية الرسمية ورفع الرسوم والضرائب وتآكل القدرات الشرائية، على القطاعات التجارية والصناعية والخدمية، والتي تفاقمت أزماتها وأعباؤها وتقلص عملها وإنتاجها وانهكت الى درجات كبيرة دفعت العديد منها الى الخروج من السوق او الانتقال الى الخارج، او تقليص إنتاجها وأعداد موظفيها، لتتمكن من الصمود. كل ذلك انعكس بتعمق البطالة بين الشباب واتساع شريحة وحدة الفقر، وغيرها من آثار سلبية.
لا يأتي هذا الاستعراض التشاؤمي للوضع الاقتصادي والمعيشي المزري الذي عشناه هذا العام الذي يودع آخر ساعاته، لبث المزيد من الاحباط والقنوط بين الأردنيين، بل فقط مجرد جردة حساب على هذا الصعيد للواقع، الذي تمخض اليوم عن انهيار الثقة بالحكومات والمؤسسة الرسمية، وارتفاع سقوف الاحتجاج، وتزايد حجم وحدة الشكوى والاحتجاج، ناهيك طبعا عن اتساع الظواهر والمشاكل الاجتماعية والجرمية.
هل هو قدر لا مفر منه؛ أن يمتد هذا الواقع السلبي والقاسي ليطغى على العام الجديد؟! سننظر الى النصف المليء من الكأس.. ولكن! بلا شك أن ذلك ليس قدرا، فإذا ما تم تشخيص الأزمة المركبة التي نعيشها وصدقت الارادة بمراكمة الحلول والمعالجات لها، وتغير النهج، حتى لو إن لم يكن تغييرا حادا وسريعا، فبالإمكان التركيز في النظر الى النصف المليء من الكأس، والتفاؤل بإمكانية التغيير والخروج ليس من عنق الزجاجة بل من اسفل قاعها.
التركيز هنا جاء على الوضع المعيشي والاقتصادي الضاغط على عصب الناس، على حساب باقي أوجه الاصلاح، هو لأن هذا الجانب هو الأقسى حاليا والذي خرق الخطوط الحمراء بقدرة الناس على التحمل، وأفقدهم الثقة بكل الخطابات والخطط والكلام السياسي الحكومي المعسول، لكل ذلك فإن المدخل الاقتصادي والمعيشي وإحداث فروق ولو بسيطة لكن بنفس تراكمي يمكن أن يشكل المدخل لالتقاط الحكومة للحظة واعادة ترميم ما لحق بالعلاقة مع المواطن من تهشيم وتشويه.
ما اعلنته الحكومة عن عزمها خفض نسبة ضريبة المبيعات عن قائمة واسعة من السلع وبعضها اساسي أمر محوري في سياق الاشتباك المطلوب من الحكومة مع الأزمة المركبة خلال العام الجديد، وقرار تجميد سعر الكاز خلال فصل الشتاء جيد لكن الاولى هو خفض سعر هذه السلعة الأساسية التي تعتمد نسبة كبيرة من الناس عليها في التدفئة، وتحتاج لموازنة باهظة من الاسر الفقيرة ومحدودة الدخل لتامينها.
يزيد التفاؤل ويدفع للتركيز على النصف المليء من الكأس بالعام الجديد ما نشهده اليوم من انطلاق قطار العودة الطبيعية للعلاقات التجارية والاقتصادية مع الجارتين الاساسيتين؛ سورية والعراق، وما يبشر به ذلك من تحريك وانعاش لقطاعات اقتصادية اردنية، تنعكس بالمحصلة على الوضع الاقتصادي العام للبلد.
نعم؛ محكومون بالتفاؤل والأمل.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock