أفكار ومواقف

نصف وزير يكفي!

لأن الحكومات الأردنية تشكل – إجمالاً – من أفراد لا يمثلون إلا أنفسهم، على الرغم من المحاصصة، فإنك لا تستطيع أن تتنبأ بما سيصدر عنهم من سياسة أو قرار خاص بالوزارة التي يشغلها الواحد منهم، وبخاصة أن كثيراً من الوزراء ليس لديهم تاريخ فكري أو سياسي يعرفون به من خلال كتاب أو نظرية تنسب إليهم في الموضوع الخاص بالوزارة التي يشغلها، يمكن أن تستخدم للتفسير أو للتنبؤ.
وهكذا تفاجأ بعد تشكيل الوزارة ونيلها الثقة، بقرارات أو إجراءات لا سند علميا لها سوى المزاج أو المزايدة، أو المكايدة لوزير سابق أو لمستوزر ينتقد اختياره في المجالس والدواوين. ومن تلك القرارات تعيين أمينين عامين لوزارة التربية والتعليم بدلاً من واحد، أحدهما إداري والآخر فني، فيقع بينهما التشابك والاشتباك في سعى كل منهما لتوسيع سلطته، وكي يفوز بالوزارة فيما بعد.
ومع أن قرار الأمينين اتخذ أكثر من مرة وفشل، تجد وزراء جدداً يفكرون فيه ويدعون إليه، ويحصلون على الموافقة عليه. لو كان الذين يتخذون مثل هذا القرار على علم في مبادئ الإدارة، ولو كان بسيطا جدا، لتذكروا أن وحدة القيادة لا تؤيد مثل هذا القرار (Two Captains Sink the Ship).
ولا يختلف دمج الوزارات أو تفكيكها عن ذلك. ها هي الحكومة تدمج وزارة التربية والتعليم العريقة ووزارة التعليم العالي الطارئة، معا، وكذلك وزارة الثقافة ووزارة الشباب.
لا يعرف المراقب لماذا تم ذلك. أهو لتوفير مستحقات وزير لا تشكل – نسبيا – عبئا ماليا يذكر، أم لتطوير خدمات الوزارتين؟ إذا كان الهدف الأول هو المطلوب فيجب دمج وزارات أخرى، وحتى إلغائها، من مثل إلغاء وزارة تطوير قطاع العام، أو حتى وزارة الشباب لأنه لا يوجد لديها ما تقدمه للشباب بعد تجريدها من أحد أهم وظائفها وهي الرياضة التي تحولت إلى دويلات مستقلة عنها.
وإذا كان هدف الدمج هو التطوير أو تحسين الأداء أو الخدمة التي تقوم بها الوزارة، فإن الدمج لن يحققها، لأن نصف وزير لكل منها لا يكفي، فما بالك إذا كانت الأعباء والمشكلات والتحديات لتعليم أكثر من مليوني تلميذ وتلميذة (كل منهما فريد) في وزارة التربية والتعليم تحتاج إلى تجزئتها (تفكيكها) وتعيين أكثر من وزير لها، وبخاصة للتعليم الإلزامي الذي يعتبر حجر الأساس لما يليه من تعليم، فإذا صلح صلح.
إن تلك الأعباء والمشكلات التحديات صعبة وثقيلة ما يجعل نصف الوزير يهرب منها إلى وزارة التعليم العالي حيث الراحة متوافرة والوجاهة أكبر، والطلبة في هذا التعليم ناضجون، ويشكلون نحو سبع عدد التلاميذ والتلميذات في وزارة التربية والتعليم، وهكذا يمكن أن نستنج أن الدمج عبث.
نعم، كانت الوزارتان مندمجتين لفترة محددة، أيام كانت مؤسسات التعليم العالي من جامعات وكليات قليلة. أما اليوم فقد اتسع التعليم العالي أفقياً (عدداً)، وعموديا (بالدرجات العلمية)، مما يجعل بعض الناس يعتقدون أنه لا بد من وجود وزير متفرغ للتعليم العالي. مع أنه غير لازم في الحالة الأردنية التي اختارت النموذج الأميركي في هذا التعليم، فلكل جامعة، وكلية عامة، وخاصة، أو أهلية، (مثل جامعة الأميرة سمية وكلية الأميرة ثروت)، مجلس أمناء ربما كان بعض أعضائه وزراء أو رؤساء وزارات سابقين، ولأن لجميع هذه المؤسسات – فوق ذلك – مجلس تعليم عال يديرها، ومجلس أو هيئة اعتماد تراقب وترفض وتعتمد، وسلسة أخرى من المجالس: بدءاً من الأمن الجامعي ومجلس القسم، ومجلس الكلية، ومجلس الجامعة، ومجلس أمناء ومجلس التعليم العالي، ومجلس الوزراء، ومجلس النواب، ومجلس الأعيان.
للأسف الشديد يبدو الأمر كما لو أن الجميع متواطئون على هذا الوضع الشاذ، وإلا فكيف يقبل مجلس أمناء العمل تحت “بنديره” مجلس آخر أو وزير آخر. لو كانت مجالس الأمناء تهتم حقا بالتعليم وبتطويره وتجويده لاحتجت على هذا التتريب، ولاستقال أعضاؤها رفضا لأسس القبول الجامعية القائمة على الاستثناء، والإقصاء، والكوتات والقوائم… التي تمنع تطوير التعليم وتجويده، أو لأن مجلس التعليم العالي وهيئة الاعتماد كافيان لإدارة هذا التعليم.
مؤسف جداً بل محزن للغاية أننا ننقل تجربة الغرب، وبخاصة أميركا في التعليم لكننا نكتفي بالمغلف ونلقي الرسالة في سلة المهملات، فقد أخذنا الساعة المعتمدة الصفية عنه دون الساعتين أو الثلاث اللتين يجب أن تضافا إليها خارجه، ومجالس أمناء ولكن غير مستقلة.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock