آخر الأخبار حياتناحياتنا

نظرات التشكيك بالآخر.. هل الخوف من العدوى “بدل” مفاهيم إنسانية؟

مجد جابر

عمان- تفاجأ عمر إسماعيل من سلوك زملائه في العمل، حينما كان يروي لهم قصة معينة، وفجأة قام بالسعال والعطس. حالة من “الكركبة” عمت المكان، وبدأ المتواجدون برش المعقمات والابتعاد عنه، والنظر اليه نظرات تحمل الشك والخوف.
“مش كورونا يا جماعة”.. عمر أخذ يدافع عن نفسه أمام زملائه والتبرير لهم أن العطس سببه تحسس من الأجواء، مبينا أن الموقف استغرق وقتا لإقناعهم.
غير أن كل ذلك لم يضايقه، بقدر ما أزعجته الأسئلة في اليوم التالي، مثل “كيف صرت.. لسا تعبان”، و”معقول تكون عندك كورونا مش حساسية”.
يستغرب عمر التغير الكبير الذي طرأ على المجتمع منذ بدء جائحة كورونا؛ حيث تبدلت الأشياء، فبعد أن كانت بعض الأسئلة بمثابة الاهتمام بالآخر، بدأت الآن تشعر المتلقي باتهام غير مباشر، وأنه مجبر على أن يدافع عن نفسه.
هذه الحالة يمر بها الكثير من الناس، ومن بينهم ريما التي اتفقت مع صديقاتها على الخروج للعشاء وقبل الموعد، قامت بتسجيل رسالة صوتية على الجروب الخاص بالمجموعة، بأنها ستتأخر بعض الشيء لأنها أخذت قيلولة وتشعر ببعض التعب من يوم عمل طويل.
رسالة ريما كانت بنظرها عادية جدا وطبيعية، وما إن تركت هاتفها لدقائق عادت ووجدت الرسائل من صديقاتها عن سبب تعبها؟ وما اذا كانت تعاني من أي أعراض؟ ولا داعي لأن تأتي للعشاء اذا كانت تشعر بأي شيء. وما كان من ريما إلا أن ندمت على رسالتها، لأن ذلك استغرق منها وقتا طويلا وهي تبرر أن شعورها بالإرهاق عادي قد يصيب أي شخص بعد يوم عمل شاق وأنه لا داعي لكل تلك الاتهامات.
اليوم، وبعد مرور عام على جائحة “كورونا”، أصبح هناك العديد من الجمل والأسئلة الاعتيادية التي كانت دليل اهتمام وحب، ولكنها تبدلت لتصبح في باطنها اتهاما.
“ليش عطست”، “بشو حاسس”، “قحتك ناشفة”، “صوتك متغير”، “مالك مرشح”، “وجهك شاحب”، كلها عبارات وكلمات باتت تشكل الإزعاج لمتلقيها الذي يصبح مجبرا على التبرير.
عامل الخوف، منذ بدء جائحة “كورونا”، تضاعف والعلاقات زادت برودا، والخوف من انتقال العدوى، هو الأمر المسيطر على العقول، والكلمة أصبحت تحمل أوجها عديدة، وتفسر بأكثر من شكل.
ويذهب الاختصاصي الاجتماعي الدكتور حسين الخزاعي، إلى أن السبب الرئيسي هو الخوف الذي يسيطر على المجتمع، كذلك اعتقاد البعض بأن المرض أشبه بـ”الوصمة”، وعلى الشخص حماية نفسه من نظرات التشكيك، لكي لا يضطر للتبرير.
ويشير الى أن بعض المفاهيم تبدلت، فالكلمات والجمل الاعتيادية التي تحمل معاني الود والاهتمام للطرف الآخر، أصبحت بمثابة اتهام للشخص المقابل الذي بات يأخذ وضعية التبرير على الفور لنفي التهمة عن نفسه.
هذه السلوكات التي انتشرت في المجتمع هي نتائج ما خلفته جائحة “كورونا”، وفق الخزاعي، والسبب الرئيسي هو الخوف الذي يسيطر على المجتمع، ومحاولة تجنب أي خطر محيط، ما يجعل الشخص يتأثر بأي تصرف يحدث أمامه أو ما يسبب في نقل العدوى له.
ويضيف الخزاعي أن هذا التبدل في التصرفات نابع من خوف على أنفسهم وعلى عائلاتهم ومن حولهم، مبينا أن الشخص حاليا همه الأول الأخير هو الابتعاد عن الإصابة بالعدوى وحماية نفسه بأي طريقة كانت، وهو الأمر الذي زاد حذره من المرض، وأن يكون أكثر تحسبا لنظرات الناس له.
ويرى الاختصاصي النفسي والتربوي الدكتور موسى مطارنة، أن “كورونا” غير من تصرفات الناس، وسكن الخوف النفوس، وزاد القلق والتوتر ونسبة الاستشعار بالخطر.
ويضيف مطارنة أن هذا الوباء أوجد عند الآخر ردة فعل وأحيانا تكون قوية، وهو ما جعل الأمور العادية مثل: العطس والسعال والتعب العام، مؤشرا خطيرا لدى البعض، بأن المقابل مصاب بفيروس “كورونا”.
وذلك يعد أمرا طبيعيا في ظل هذه الظروف الاستثنائية التي يعيشها المجتمع، وفق مطارنة؛ إذ صاحب هذا المرض زيادة بنسبة الوفيات والإصابات، كل ذلك ضاعف من حالة الذعر والفوبيا التي يعيشها الناس حالياً، بالتالي فإن ردات الفعل هذه طبيعية، وهي جزء من المفاهيم التي سيورثنا إياها “كورونا”.
ويوضح أن هذه المرحلة تشهد تحولا مجتمعيا ونفسيا، وزادت العلاقات ضعفا إنسانيا، فالناس يبتعدون عن بعضهم بعضا من أجل تفادي الخطر وهو كله سيخلق حالة البرود، وتتأثر العلاقات كلها من تداعيات أزمة “كورونا”.
ويشير الى أن جائحة “كورونا” أوجدت ثقافة جديدة، فكل ما يحصل من ردات فعل لدى الأشخاص هي انفعالات لاشعورية نتيجة الخوف واستشعار الخطر من الوباء، مبينا أن الخوف هو أمر طبيعي، وكذلك الحذر والانتباه والوقاية، لكن ينبغي أن لا يصبح هذا الخوف هاجسا، ويتحول لحالة مرضية لاحقا.
لذلك، على الإنسان أن يحافظ على توازنه النفسي، ويكون قادرا على التمييز والتقييم بطريقة صحيحة من دون مبالغة، والتقيد بإجراءات السلامة المطلوبة، بعيدا عن المبالغة وفقدان الحس الإنساني والتشكيك بكل شيء، وأن لا نجعل الوباء يفقدنا أهم الصفات الإنسانية الموجودة في العلاقات.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock