ترجمات

نظرية “داعش”

ستانلي جوني – (ذا هِندو) 8/11/2019

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

أبو بكر البغدادي مات. لكن “داعش” لم يفعل. ولا شك أن موت “الخليفة” وجه ضربة قوية للجماعة الإرهابية. لكن “داعش” أقوى، أيديولوجياً، بحيث يتمكن من البقاء على قيد الحياة بعد سقوط زعيمه، كما أن الظروف الجيوسياسية التي أدت إلى صعود المجموعة في المقام الأول ما تزال قائمة بشكل أو بآخر. وقد قيل الكثير حول هذه الظروف. كانت التوترات الجيوسياسية، والنزاعات الأهلية، والتدخلات الأجنبية مصدر قوة للجماعات الجهادية مثل تنظيم القاعدة و”داعش”. ولنتذكر أن أسامة بن لادن لم يكن أي شيء قبل أن يبدأ الأميركيون وحلفاؤهم في تمويل وتدريب المجاهدين الأفغان ضد الجيش الأحمر السوفياتي. وكانت طالبان، التي صعدت إلى السلطة في أفغانستان المبتلاة بالحرب الأهلية، تستضيف تنظيم القاعدة عندما نفذ هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 الإرهابية في نيويورك وفرجينيا. ونهض تنظيم “القاعدة في العراق” من أنقاض البلد الذي دمره الغزو الأميركي. وتحول تنظيم “القاعدة في العراق” إلى ما أصبح “الدولة الإسلامية في العراق وسورية” (داعش)، مستغلاً الفوضى التي اجتاحت سورية في أعقاب الحرب الأهلية. وفي حين أن هذه هي الشروط الموضوعية وراء صعود الجهادية الإرهابية، فما هي شروطها الذاتية؟ هل لدى هذه المجموعات وكالة؟
أخوة السلاح
على الرغم من أن تنظيم القاعدة و”داعش” مقصوصان من القماشة نفسها، فإن هناك اختلافات تكتيكية واستراتيجية في عملياتهما. كان “القاعدة” في الأساس منظمة تنتهج تكتيك “اضرب واهرب” إلى أن غير “داعش” المشهد الإرهابي كله. كانت مجموعة “القاعدة” تنفذ الهجمات ثم تعود إلى الصحارى أو الكهوف أو الجبال حيث تختبئ. ولم تُعرِّض نفسها للقوة العسكرية التقليدية التي يمتلكها أعداؤها. وباستثناء بعض الجيوب التي تسيطر عليها الآن جماعات مرتبطة بتنظيم القاعدة، مثل إدلب في سورية، ما تزال الجماعة إلى حد كبير منظمة “اضرب واهرب”. لكن “داعش” أخذ التمرد خطوة إلى الأمام. شرع في التمسك بالأرض التي استولى عليها، وأنشأ شبه دولة في تلك المناطق وسماها “الدولة الإسلامية”. وبينما يريد تنظيم القاعدة أيضاً إنشاء إمارة عالمية، فقد اتخذ “داعش” خطوات عملية لتنفيذ نظرته العالمية، وأعلن “الخلافة”، في محاولة لإحياء مؤسسة إسلامية لم تعد موجودة بعد تفكك الإمبراطورية العثمانية في نهاية الحرب العالمية الأولى. وبقيامه بذلك، حاول البغدادي وضع نفسه في القائمة الطويلة للخلفاء الإسلاميين، وهم القادة الشرعيون للأمة (المجتمع الإسلامي العالمي).
تبقى الجهادية العنيفة بطبيعتها معادية للحداثة ولا تحظى بشعبية كبيرة بين المسلمين في جميع أنحاء العالم. وبسبب عدم شعبيتها، تتورط هذه الجماعات في أعمال عنف متطرفة. وبوحشيتها غير المقتصدة، سعت الجماعات الجهادية إلى التغلب -ليس فقط على أوجه القصور في قدراتها العسكرية، وإنما أيضاً على النقص في رأس مالها السياسي. وبالنسبة لمجموعة البغدادي، كان العنف وسيلة وغاية بحد ذاته. ويردد تفسير “داعش” المتشدد للإسلام صدى الإسلام السلفي. ويتبع السلفيون نهج “الأجداد الورِعين” للإسلام. وبالنسبة لهم، لا يستطيع الإنسان تفسير الكتاب المقدس أو الحديث النبوي. لكن السلفية نفسها ليست كتلة متجانسة متراصة. يمكنها أن يكون طريقة روحية في الحياة. وهناك منظمات سلفية يكرس أعضاؤها أنفسهم لطريقة حياة إسلامية “نقية” ولا علاقة لها بالعنف. لكن السلفية، بالنسبة لجماعات مثل تنظيم القاعدة و”داعش”، هي أيديولوجية سياسية للوصول إلى السلطة. ولأنهم لا يستطيعون الوصول إلى السلطة من خلال الحركات الجماهيرية أو الانتخابات الشعبية أو الثورات، فإنهم يلجأون إلى الجهادية العنيفة كوسيلة لتحقيق هذا الهدف، وهو ما يجعلهم سلفيين جهاديين.
الدولة الإسلامية “النقية”
بخلاف تنظيم القاعدة، لم تكن عمليات “داعش” مقصورة على تنفيذ هجمات انتحارية في الغرب أو في البلدان المدعومة من الغرب. لقد أراد التنظيم إنشاء دولة إسلامية “نقية” حيث يمكن للمؤمنين “الحقيقيين” المجيء والعيش. وهؤلاء “المؤمنون الحقيقيون”، بالنسبة لـ”داعش”، هم من المسلمين السنة وحدهم، والذين يتبعون إملاءات “داعش” فقط. وفي هذه النظرة العالمية، يُنظر إلى الشيعة على أنهم “روافض” (“يرفضون” الخلفاء الثلاثة الأوائل للإسلام السني)، ويستحقون بالتالي مكانة من الدرجة الثانية. وفي المناطق الخاضعة لسيطرته، كان على مجتمعات الأقليات دفع ضريبة الأقليات (الجزية) للدولة مقابل الحماية. ولم يتمكن أتباع هذه الأقليات من ممارسة دينهم علانية. ويجب، في نظرة “داعش” العالمية، أن يتم إلقاء المثليين جنسياً من أسطح الأبراج الشاهقة، ولا بد من قطع أصابع المدخنين، كما سُمح بالعبودية ومُنعت الموسيقى والأفلام. ويعتبر مفهوم “الدول القومية” غريباً أيضاً عن نظرة “داعش”، الذي يرى أن العالم هو الخلافة، حيث يجب أن تعيش الأمة تحت قيادة خليفتها الشرعي الوحيد.
وهكذا، وقف تنظيم “داعش” في معارضة كل ما تقدمه الليبرالية الحديثة -فالحرية الفردية والمساواة والحرية كلها شؤون تحظرها الجماعة تماماً. كما يستهجن “داعش” الفكر النقدي وينكره، مطالباً بالولاء لقضيته فحسب. وفي الوقت نفسه، كان المكان الذي نجح فيه “داعش” هو استغلال التناقضات داخل المجتمعات الحديثة -التناقضات التي كنستها تحت السجادة مدحلة القومية. وكانت أزمة الهوية عند المسلمين، خاصة المسلمين الشباب، في المجتمعات الليبرالية، هي ما استفاد منه “داعش” باستخدام تقنيات الاتصال الحديثة. وقدم التنظيم رؤية بديلة عنيفة وانتقامية للإيقاع بهؤلاء الناس، بينما استخدم في المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة مسألة العدوان الغربي كدعاية للتجنيد. وقد تمكن “داعش” من القيام بذلك بينما يتمسك بالأراضي التي احتلها داخل العراق وسورية. وكانت هذه هي المرة الأولى منذ عقود التي تدعي فيها جماعة بأنها أنشأت خلافة عن طريق محو حدود الدول الحديثة (العراق وسورية في هذه الحالة) ودعوة الأتباع إلى الهجرة. وقد نجح “داعش” في اجتذاب عشرات الآلاف من الناس إلى “خلافته” -من تونس إلى الهند والولايات المتحدة. كما عارض تنويعات الإسلام، معتبراً الشيعة، والإسماعيليين، والأحمدية والعلويين غير مسلمين. كما وصف “داعش” التقاليد التوفيقية للإسلام، مثل الصوفية، بأنها معادية للإسلام. وحتى لو لم يوافق المسلمون السنة أنفسهم على نسخة “داعش” من الإسلام، فيمكن طردهم من الملة (التكفير) وقتلهم وفقاً للنظرة العالمية للتنظيم. وبذلك، ليس غريباً أن معظم ضحايا “داعش” في العالم العربي كانوا من المسلمين.
مشاكل في الحرب المناهضة لـ”داعش”
تم تدمير خلافة “داعش” وذهب زعيمه. لكن هناك مشكلتان تعتوران الحرب ضد التنظيم. أولاً، ما تزال الظروف الموضوعية التي أدت إلى صعود “داعش” قائمة لم تتغير في غرب آسيا والعالم العربي الأكبر. وما تزال لدى التنظيم فروع تابعة وأسلحة في العديد من أنحاء العالم، مثل أفغانستان ومصر ونيجيريا. ويهدد التوغل التركي الأخير في شمال شرق سورية حتى ذلك التقدم المحدود الذي تم إحرازه في الحرب ضد “داعش”. وما تزال الصراعات الطائفية الشيعية-السنية التي حاول “داعش” استغلالها مشتعلة عبر غرب آسيا. ثانياً، لن يُهزم داعش إلا عندما تُهزم أيديولوجيته، وهي مهمة شاقة وطويلة. ليس “داعش” منظمة خلقتها “الإمبريالية الغربية”، ولكنها منظمة استغلت الفوضى التي خلقتها “الإمبريالية”. وسوف تستمر في القيام بذلك، حتى بعد كل هذه الانتكاسات -وهذا يشمل حتى بقايا “داعش”. لا تحتاج المجموعة إلى جيش دائم يضم آلاف الجنود لمهاجمة المدنيين من خلال التفجيرات الانتحارية. بالنسبة له، يرتبط العنف ببقائه هو نفسه. وإذا ركن “داعش” إلى الصمت، فإنه سيصبح غير ذي صلة بالمشهد الجهادي العالمي، وسوف ينتهي كل حديثه عن الخلافة التوسعية. وسيكون هذا مثل ماكبث. سوف تحتفظ المجموعة بحاجتها إلى القتل من أجل البقاء. ولإيقاف المجموعة، يجب القضاء على جهازها التنظيمي والإيديولوجي في منطقة تكون حرة وخالية من التدخلات والقمع الأجنبي. وفي الوقت الحالي، يبدو هذا احتمالاً بعيداً.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: The theory of the Islamic State

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock