أفكار ومواقف

نظريتان في تفسير الفساد (4-1)

يفتتح دان آريلي – أستاذ علم النفس واقتصاد السلوك في جامعة ديوك – كتابه (The (Honest) Truth About Dishonesty, 2012) رأساً بالقول: “إنهم يغشون، وأنت تغش ، وأنا أيضاً أغش، وأغش بين الحين والآخر أيضاً.”
ويفسر الغش والسرقة… والفساد بعامة، بنظريتين: إحداهما نظرية جاري بيكر – أستاذ الاقتصاد في جامعة شيكاغو، الحاصل على جائزة نوبل فيه- التي تقول: إن الناس يرتكبون جرائم الغش والكذب والسرقة… والفساد بعامة، بناء على تحليل عقلي للموقف ذي العلاقة، أو ما يسمونه في الاقتصاد بتحليل الكلفة/ العائد / الفائدة (Cost – Benefit Analysis/ Calculation) ولكن بعيداً عن أخذ الحق والباطل أو الصواب والخطأ أو الخير والشر، في الاعتبار. بمعنى أن التحليل لا يتعدى سوى المقارنة بين الربح والخسارة من الفعل أو الجريمة، أي أنه عندما يفكر واحد في ارتكاب جريمة ما فإنه يقصر تفكيره على كمية الربح أو الخسارة فيها، ومن ذلك احتمال القبض عليه، والعقوبة التي ستقع عليه إذا فعل. بعدها يقرر فيما إذا كان سيغش أو يكذب أو يسرق… أو لا.
إذا كانت هذه النظرية صحيحة فإن على الدولة كما يقول آريلي زيادة احتمالات القبض على الفاعلين، بمزيد من الشرطة، والكاميرات، وتغليظ العقوبات. إذا قبلنا هذه النظرية وبنينا سياستنا التأديبية أو العقابية عليها فإننا سنمعن في إقامة الحواجز والمعيقات وأننا لا نثق بأحد بعد ذلك بمن فيهم أخوك أو صديقك أو جارك أو زميلك. وعندها لا يبقى لأي اتفاق أو عقد قيمة. وسنقضي جلّ وقتنا في المحاكم. وربما يقرر بعضنا أنه لا ضرورة لإنجاب الأطفال لأنهم قد يسرقون كل ما نملك عندما يكبرون. وعندها سنردد القول إن الناس ليسوا قدّيسين، وأن لا أحد كامل، فالكمال لله، والعصمة لا تكون إلا لنبي، لتبرير الفساد.
ولكن تجارب آريلي المخبرية والميدانية أثبتت أن هذه النظرية غير دقيقة، وبالتالي غير فعّالة في محاربة الغش والكذب والسرقة والفساد بعامة، مما دفعه إلى البحث عن السبب الحقيقي الذي يدفع الناس إلى الغش والكذب والسرقة… والفساد. وقد كشفت تجاربه عن وجود قوى أو دوافع نفسية واجتماعية وبنيوية بيئية في حياتنا اليومية تقوي الأمانة/ النزاهة أو تضعفهما، تفسرها نظرية الاقتصاد السلوكي، التي تفرض علينا إعادة بناء بيئتنا النفسية والاجتماعية والاقتصادية لنتمكن من محاربة اللا– أمانة أو اللا– نزاهة في المجتمع.
لقد أثبتت تجارب آريلي أن الغش والكذب والسرقة والفساد ليست نتاجاً لنظرية الكلفة/ الفائدة، وأنه ليس لاحتمال القبض على الفاعل تأثير جوهري في الفعل… ليس لهذا الاحتمال دور مهم لأن إحساسنا بأخلاقيتنا مرتبط بكمية أو بنوعية الغش… الذي نستريح فيه معهما. أي أن كلا منا يغش أو يكذب أو يسرق أو يفسد إلى الدرجة أو المستوى الذي يسمح له فيه بالمحافظة على رؤية نفسه أو صورته كشخص أمين أو نزيه، وأن اللا–أمانة أو اللا– نزاهة ليست مجرد نتيجة لحساب الكلفة/ الفائدة. إن القوى أو الدوافع الكامنة للا- أمانة… أكثر تعقيداً مما تفيده تلك النظرية البسيطة أو الساذجة.
حسب نظرية النوافذ المحطمة (Broken Windows Theory) التي تبين كيفية المحافظة على الهدوء في المناطق الخطرة دون زيادة عدد الشرطة أو الكاميرات، فإن رؤية الناس في منطقة خطرة في بناية ذات شبابيك مهملة أو محطمة لوقت طويل، تغريهم لتحطيم المزيد منها وإلحاق أضرار إضافية في البناية والمحيط. ومنه ترك أبنية مهجورة دون استكمال أو سكّان تصبح مرتعاً للضالين.
إن ذلك يعني أنه يجب حل المشكلات في بدايتها وعندما تكون صغيرة أو بسيطة، قبل أن تكبر ويصعب حلها (مثل مشكلة النقل العام) أي أنك إذا أصلحت شبابيك البناية مبكراً فإنك تردع الناس عن تخريبها.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock