صحافة عبرية

نعم هذا أبرتهايد حتى بدون ضم

هآرتس

ميخائيل سفارد

مر الاول من تموز بدون ضم وكذلك ايضا الايام التي بعده. ربما اننا نشاهد تبدد السياسة الاكثر جرأة لليمين بالنسبة للنزاع الاسرائيلي _ الفلسطيني، سياسة حذر كبار مؤيدي اسرائيلي من ان تحولها الى دولة ابرتهايد. هل حقا رفع الضم من على جدول الاعمال سيدفع ايضا خطر الابرتهايد؟ للاسف، لا.
في الاشهر الاخيرة درست هذه المسألة بعمق. وفي الرأي القانوني الذي كتبته لمنظمة حقوق الانسان (يش دين) وصلت الى استنتاج محزن فيما يتعلق بمدى صلة هذا المصطلح بطبيعة السيطرة الاسرائيلية في الضفة الغربية. اجل، حتى بدون ضم.
هنالك استخدام متنوع بكلمة ابرتهايد، في سياقات مختلفة. معنى هذا التعبير في الحياة العامة لا يطابق معناه في العلوم السياسية وفي التاريخ وفي القانون. ” ابرتهايد بمعناه القانوني وصف لطريقة حكم ولجريمة دولية. الابرتهايد تحول من ايديولوجية محددة للحكم، والذي وجدت في مكان وزمن معين في القرن الـ20 الى مخالفة دولية من نوع الجريمة ضد الانسانة. هنالك تعريف لجريمة الابرتهايد والذي تم تثبيته في ميثاقين دوليين. احداهما هو ميثاق روما، الذي ينظم نشاط المحكمة الدولية الجنائية في لاهاي.
بالرغم من ان مصدر جريمة الابرتهايد مرتبط تاريخيًا بالنظام العنصري لجنوب افريقيا، اليوم هذا مفهوم قانوني مستقل، ليس مرهوناً بوجود ايدلوجية عنصرية في اساسه. جريمة العنصرية تعرّف ك” أعمال غير انسانية تنفذ في سياق نظام سيطرة وقمع ممنهج لمجموعة عنصرية على يد مجموعة عنصرية اخرى وبهدف الحفاظ على نظام السيطرة والقمع”. وبكلمات اخرى الابرتهايد هو نظام والذي بكل الادوات الواقعة تحت سيطرته – قانون، سياسة، ممارسة – ينتج تفوقا لمجموعة معينه ويفرض دونية على مجموعة اخرى، والذي بشكل عام تتبدى بتمييز ممأسس في الحقوق والموارد.
خلافا للاعتقاد الشائع، فان المجموعة العرقية تحدد في القانون الدولي طبقا للتصنيفات الاجتماعية – السياسة، وليس البيولوجية – الجينية، ولهذا فهي تشمل الاصل القومي او الاثني. ان فرض الدونية على مجموعة كهذه لا تكفي – شرط تنفيذ هذه المخالفة هو ان التفوق ليس مؤقتاً بل يستهدف ان يكون ثابتاً, لهذا فإن القانون الدولي يجرّم اعمالا تعتبر فيه كأعمال “غير انسانية ” تنفذ ضد المجموعة الدونية بهدف الحفاظ على السيطرة عليها.
يجب اطفاء النور ووضع سدادات في الاذن واغلاق جميع الستائر من اجل تجنب الفهم القائل أن النظام الاسرائيلي في الضفة الغربية هو نظام ابرتهايد وان الضم فقط سيعمقه ويوسعه. خلال الـ23 سنة الماضية وضعت اسرائيل الضفة الغربية تحت الاحتلال العسكري. ان كل احتلال بما في ذلك الاحتلال الاسرائيلي هو بطبيعته نظام للسيطرة على البشر والذين يتم تعليق حقوقهم المدنية ولا يحق لهم الانتخاب أو أن ينتخبوا وكذلك ان يكونوا ممثلين في مؤسسات تقرر مصيرهم.
بيد أن اسرائيل اختارت توطين المنطقة بمواطنيها، وطوال خمسة عقود ونصف استوطن فيها مئات الآلاف منهم. هكذا خلق واقع انه تحت نفس النظام تعيش مجموعتان: الاولى ذات حقوق وامتيازات، قوة سياسية وتمثيل ،والثانية لا يوجد لها وجود سياسي ما في المؤسسات الي تحكمها.
النتيجة هي بالضبط ما يستهدف منعه حظر اقامة المستوطنات: نقل كل موارد المنطقة الى المجموعة المحتلة على حساب من تم احتلالهم. هكذا وعلى مر السنين، فإن 99.76 % من الاراضي العامة التي خصصتها الادارة المدنية في الضفة حولت لاهداف اسرائيلية واقل من0.25 % خصصتها لاستخدام الفلسطينين. هذا الرقم المخيف بحد ذاته يعتبر صادماً اكثر على خلفية حقيقة انه بالمقابل سلبت اسرائيل تجمعات فلسطينية اكثر من مليون دونم من الاراضي التي كانت تستخدمها وكانت مخصصة لتطورها.
منذ 1967 اقيم في الضفة 130 مستوطنة ( وكذلك حوالي 100 بؤرة استيطانية) وباستثناء حي للبدو الذين تم اجلاؤهم بالاكراه من منطقة الخان الاحمر ومن مدينة روابي التي سمحت اسرائيل للسلطة بانشائها، لم تنشأ أي اماكن سكنية للفلسطينين. التجمعات الفلسطينية في المناطق التي وضعت اسرائيل عينها عليها بسبب كونها قليلة السكان، تحولت الى هدف لسياسة تهجير بواسطة عدم اعطاء رخص بناء واعمال هدم متواصلة ( بالاساس جنوب جبل الخليل، غور الاردن والشارع الالتفافي الذي يتجاوز القدس).
الاسرائيلون يتمتعون بمخصصات مياه سخية وبحقوق للتنقيب عن الموارد الطبيعية وبالسيطرة على الينابيع، وعلى المواقع الاثرية وعلى المحميات الطبيعية. الى جانب كل هذا اوجدت اسرائيل نظام محاكمة مزدوج فيه يطبق قانون معين على الفلسطينيين وقانون اخر على الاسرائيليين: الاسرائيليون يحظون بأجزاء واسعة من القانون الاسرائيلي الحديث في حين ان الفلسطينيين يصارعون تحت اوامر عسكرية قمعية. هكذا لا يوجد للفلسطينيين الحق في التظاهر، وفي حين انه يوجد هذا الحق للمستوطنين، لهذا فان الاسرائيلي الذي تورط في مشكلة يحاكم في محكمة مدنية يضمن فيها حقه في محاكمة نزيهة في حين ان جاره الفلسطيني المتهم بنفس المخالفة يحاكم في محكمة عسكرية والتي لا تجري بلغته. كما ان الاسرائيلي يخرج بحرية الى خارج البلاد في حين ان الفلسطيني عليه ان يحصل على تصريح من الجيش. كل سياسة نزع ملكية، وكل ممارسة فصل (مادية و قانونية)، وكل منع للتنمية واي نقل قسري لفلسطينين – كل واحدة من هذه تحقق مكون “الاعمال اللا انسانية” الموجود في تعريف جريمة الابرتهايد.
جريمة الابرتهايد استهدفت الدفاع عن قلب الاخلاق الانسانية كما صيغت بعد الحرب العالمة الثانية: فكرة الانسانية المشتركة لنا جميعاً. النظام الذي يتنكر لهذه الفكرة ويسعى لتقويضها هو نظام غير شرعي، يجب انهاؤه. ليس جميعنا نحن الاسرائيليين مذنبين بجريمة الابرتهايد ولكننا جميعا مسؤولون عنها ومن واجبنا وقف الجريمة التي ترتكب باسمنا. من اجلنا ومن اجل الاجيال القادمة، ومن اجل مستقبل قائم على الفكرة اليهودية.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock