ترجمات

نعوم تشومسكي: عن “العنف والكرامة” في الشرق الأوسط محاضرة “إدوارد سعيد” 2013 (2-1)

نعوم تشومسكي* – (لندن ريفيو أف بوكس) 18/3/2013

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

يحكي لنا الروائي السويدي هينينغ مانكل عن تجربة عايشها في موزمبيق في ذروة الأعمال الوحشية البشعة لحقبة الفصل العنصري، عندما رأى رجلاً ضئيلاً يمشي في اتجاهه بملابس رثة. ويقول مانكل: “بسبب بؤسه العميق، رسم ذلك الناجي البائس أحذيةً على قدميه. بطريقة ما، ومن أجل الدفاع عن كرامته في وقت ضاع فيه كل شيء، استخرج الرجل الألوان من صخور الأرض ورسم بها أحذية على قدميه”.
سوف تثير مثل هذه المشاهد ذكريات مؤثرة لدى أولئك الذين شاهدوا القسوة والإهانة، وأيضاً المقاومة المتصاعدة -أولئك “الصامدون”، باستعارة المصطلح الموحي الذي استخدمه رجا شحادة في كتابه الرائع عن الفلسطينيين تحت الاحتلال قبل 20 سنة مضت.
مثل الكثيرين منكم، بل في الحقيقة أقل بكثير من العديد منكم، كنت قد رأيت مثل هذه المشاهد في جميع أنحاء العالم على مدى سنوات عديدة، ثم مرة أخرى في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، عندما تمكنت من زيارة غزة للمرة الأولى بعد عدة محاولات سابقة فاشلة. وفي استقبالي لدى العودة إلى دياري، كانت التقارير التي تتحدث عن أحدث موجة من الجرائم المروعة، هجوم تشرين الثاني (نوفمبر) الإسرائيلي العدواني، بدعم من الولايات المتحدة، والتغاضي والسكوت الصاغر من جهة أوروبا.
كان واحدٌ من أول التقارير التي وصلتني صورة أرسلها لي صحفي شاب كنت قد قضيت معه بعض الوقت في غزة. وتعرض الصورة طبيباً في مستشفى، يحمل أجزاء جثة متفحمة بشكل مفزع لطفل رضيع مقتول. والطبيب هو مدير ورئيس قسم الجراحة في مستشفى خان يونس، كنت قد سمعت منه قبل بضعة أيام التماسه العاطفي للأدوية والمعدات الجراحية، حتى لا يتلوى المرضى من العذاب في انتظار إجراء عملية جراحية بسيطة يتعذر إجراؤها لعدم وجود المرافق.
بينما كان هجوم تشرين الثاني (نوفمبر) ينفجر بكامل الغضب، أصدرت الأمم المتحدة مراجعتها الأسبوعية للأزمة الإنسانية الدائمة في غزة: وأفاد التقرير بأن 40 % من الأدوية الأساسية و55 % من المواد الاستهلاكية الأساسية نفدت من المخازن، نتيجة للحصار الإسرائيلي والتواطؤ الغربي، وعدم رغبة الحكومة المصرية الجديدة في إغضاب السادة. ويبدو أن الحدود ما تزال خاضعة إلى حد كبير لسيطرة مخابرات مبارك الكريهة، التي ترتبط وثيقاً بوكالة المخابرات المركزية الأميركية والموساد الإسرائيلي، وفقاً لتقارير موثوقة. وفي الأسبوع الماضي فقط، وصلتني مقالة أخرى من الصحفي نفسه في غزة، والتي تصف التأثير الرهيب للهجوم الأحدث ضد شعب غزة. وقد استحدثت طريقة جديدة لإغلاق الأنفاق التي هي شريان حياة المسجونين تحت الحصار القاسي والهجوم المستمر: إغراقها بمياه المجاري القذرة.
وجلبت أخبار اليوم نفسه تقريراً صادراً عن منظمة “بتسيلم” الإسرائيلية المدافعة عن حقوق الإنسان، حول جهاز جديد يستخدمه الجيش الإسرائيلي للتغلب على براعة الصامدين في التعامل مع الغاز المسيل للدموع وغيره من أساليب التحكم بالسكان: رش المتظاهرين والمنازل بمياه الصرف الصحي الخام باستخدام خراطيم قوية، عقاباً لهم على احتجاجاتهم الأسبوعية غير العنيفة ضد جدار الفصل العنصري الإسرائيلي غير القانوني -جدار الضم في واقع الأمر. وفي هذا مزيد من الأدلة على أن لدى هذه العقول “العظيمة” أفكارا متماثلة، في هذه الحالة الجمع بين القمع الإجرامي والإذلال.
تعود مأساة غزة وراء إلى العام 1948، عندما فرّ مئات الآلاف من الفلسطينيين من الإرهاب أو طردوا قسراً إلى غزة على يد القوات الإسرائيلية الغازية، التي استمرت في نقلهم بالشاحنات عبر الحدود بعد فترة طويلة من وقف إطلاق النار الرسمي -لأربع سنوات على الأقل. وتكشف الدراسات الإسرائيلية الأخيرة، ولا سيما العمل المهم الذي وضعه آفي راز Avi Raz، أن هدف الحكومة كان طرد اللاجئين إلى سيناء، وإذا أمكن ذلك، طرد بقية سكان فلسطين كلهم أيضاً. وعلى حد قول غولدا مئير، رئيسة الوزراء العمالية في وقت لاحق، كانت النية هي الاحتفاظ بقطاع غزة، في حين يتم “التخلص من عرَبه”. وربما تكون هذه الأهداف بعيدة المدى عاملاً مساهماً في إحجام مصر عن فتح الحدود أمام حرية مرور الناس والبضائع التي اعتقلها الحصار الإسرائيلي القاسي المدعوم من الغرب.
كان التخلص من عرب غزة واحداً فقط من جملة الأهداف الإسرائيلية الأوسع نطاقاً بكثير. خلال عملية طرد الفلسطينيين في العام 1948، توقع المستعربون في الحكومة الإسرائيلية إما أن يتم استيعاب اللاجئين في مكان آخر، أو أنه “سيتم سحقهم” و”يموتون”، بينما “يتحول معظمهم إلى غبار بشري وحثالة مجتمع، وينضمون إلى الطبقات الأكثر فقراً في الدول العربية”. وكانت رؤية رئيس الوزراء ديفيد بن غوريون عن “عرب أرض إسرائيل” الذين تبقوا بعد طرد مواطنيهم في العام 1948 هي أنها “تبقت لهم مهمة واحدة فقط -أن يهربوا”. وعلى الرغم من إنكار ذلك بشدة لسنوات عديدة، فإن الأسباب التي أدت إلى فرار اللاجئين لم تعد موضوعاً للتساؤل الجدّي. سوف يشكك قلة فقط في النتائج التي توصل إليها المؤرخ الإسرائيلي الأبرز في الموضوع، بيني موريس Benny Morris، الذي كتب، “فوق كل شيء، واسمحوا لي أن أكرر، نجمت مشكلة اللاجئين عن الهجمات التي شنتها القوات اليهودية على القرى والبلدات العربية وخوف السكان من مثل هذه الهجمات، مصحوبة بعمليات الطرد، والفظائع، والشائعات عن الفظائع- وعن قرار مجلس الوزراء الإسرائيلي الحاسم في حزيران (يونيو) في العام 1948 القاضي بمنع عودة اللاجئين”، مما ترك الفلسطينيين “مسحوقين؛ حيث تم الدفع بنحو 700.000 فلسطيني إلى المنفى وتُرك 150.000 آخرين تحت الحكم الإسرائيلي.” وينتقد موريس الأعمال الوحشية الإسرائيلية، فيما يعود في جزء منه إلى أنها كانت محدودة جداً. كان خطأ بن غوريون الكبير، كما يرى موريس، وربما “خطأه الفادح”، هو عدم “تطهير البلاد كلها -كامل أرض إسرائيل، حتى نهر الأردن”. وتشير سجلات مجلس الوزراء التي رفعت عنها السرية مؤخراً إلى أن بن غوريون ربما يكون قد وافق على أن ذلك كان خطأ جسيماً.
منذ الأيام الأولى، كان يُنظر إلى العرب باعتبارهم زرعاً غريباً في أرض إسرائيل، وبأنهم سيكونون سعيدين بالمقدار نفسه في أي مكان آخر من المناطق العربية. وعندما صدر وعد بلفور، لاحظ حاييم وايزمان، أول رئيس لإسرائيل والشخصية الصهيونية الأكثر إجلالاً، أن البريطانيين أبلغوه بأن هناك في فلسطين “بضع مئات آلاف من الزنوج، ولكن هذه مسألة ليست ذات أهمية.” وبدوره، أبلغ وايزمان اللورد بلفور بأن “القضية المعروفة باسم المشكلة العربية في فلسطين ستكون ذات طابع محلي فقط. وفي واقع الأمر، يستطيع أي شخص يعرف الوضع أن لا يعتبرهم عاملاً بالغ الأهمية”. وبذلك، لن يثير نزوح السكان المحليين على أيدي المستوطنين اليهود أي قضية أخلاقية. وثمة رئيس إسرائيلي لاحق آخر، حاييم هرتسوغ، وهو من حمائم حزب العمل أيضاً، والذي لخص المبادئ التوجيهية الأساسية في العام 1972 على النحو الآتي: “إنني لا أنكر على الفلسطينيين أي مكان أو موقف أو رأي حول كل مسألة. لكنني بالتأكيد لست على استعداد للنظر إليهم كشركاء بأي معنى في أراض كُرِّست لأمتنا منذ آلاف السنين. ليهود هذه الأرض، لا يمكن أن يكون هناك أي شريك”.
كما عبر اللورد بلفور نفسه، وهو المسيحي-الصهيوني المخلص، عن آراء مماثلة. وكانت هذه الرؤية عنصراً مشتركاً لدى النخبة المسيحية-الصهيونية التي سبقت الصهيونية اليهودية بوقت طويل. وشمل ذلك شخصيات بارزة في الولايات المتحدة أيضاً من المنغمسين في الكتاب المقدس وتعاليمه القائلة إن الربّ وعد اليهود بأرض إسرائيل، وبأن الآخرين متطفلون. هذا هو السبب، على سبيل المثال، في وصف أحد مستشاري روزفيلت والعضو المهم في مجلس الوزراء عودة اليهود إلى فلسطين بأنها “الحدث التاريخي الأكثر إثارة في التاريخ”. وقد أصبحت النخبة المسيحية الصهيونية التقليدية في الولايات المتحدة الأميركية مدعومة الآن بحركة مسيحية يمينية هائلة، مؤيدة لإسرائيل بحماس ومعادية للسامية بعمق، والتي تشكل جزءاً كبيراً من القاعدة الحالية للحزب الجمهوري الحديث.
تشكل المسيحية-الصهيونية عاملاً مهماً، والذي غالباً ما يتم تجاهله، في صياغة السياسة تجاه إسرائيل وفلسطين منذ السنوات الأولى. وهناك عوامل أخرى. ومن الجدير بالذكر، على سبيل المثال، أن أقوى دعم لإسرائيل في الساحة الدولية يأتي من الولايات المتحدة، كندا، وأستراليا، وما يسمى بمنطقة النفوذ البريطاني Anglosphere والجمعيات الاستيطانية الاستعمارية، على أساس إبادة أو طرد السكان الأصليين لصالح جنس أرقى، وحيث يعُد مثل هذا السلوك طبيعياً وجديراً بالثناء. وكانت العوامل الحاسمة، منذ العام 1967، استراتيجية واقتصادية ما تزال سائدة إلى الآن. ولكن، لا ينبغي تجاهل العوامل الأخرى.
بالعودة إلى غزة، بعد فتوحات إسرائيل في العام 1967، اتخذ تعذيبها أشكالاً جديدة. وكمثال واحد من أمثلة لا تعد ولا تحصى، مباشرة قبل اندلاع الانتفاضة في غزة في كانون الأول (ديسمبر) من العام 1987، قام شخص مقيم في مستوطنة يهودية قريبة بإطلاق النار على فتاة فلسطينية وقتلها في فناء المدرسة. ومثل غيرها من “اللابشر”، إذا استعرنا عبارة أورويل، فإن قصة -انتصار العطار- هذا هو اسمها، غير معروفة في العالم المتحضر، وكذلك حال مصيرها. وكان القاتل واحداً من آلاف عدة من الإسرائيليين المستوطنين الذين جُلبوا إلى غزة في انتهاك للقانون الدولي، والذين كان يحميهم تواجد عسكري هائل، واستولوا على الكثير من الأراضي والمياه النادرة في القطاع، وعاشوا “ببذخ في اثنتين وعشرين مستوطنة في خضم من 1.4 مليون من الفلسطينيين المعوزين”، كما يصف راز الجريمة. وقد ألقي القبض على قاتل التلميذة، شمعون يفراح، ليتم الإفراج عنه بسرعة بالكفالة عندما قررت المحكمة أن “الجريمة ليست خطيرة بما فيه الكفاية” لتستحق الاحتجاز. وعلق القاضي بأن يفراح قصد فقط إخافة الفتاة بإطلاق رصاص بندقيته في وجهها في فناء المدرسة، ولم يقصد قتلها. ولذلك، فإن “هذه ليست قضية شخص مجرم يجب أن يُعاقب، ويُردع، ويُعلَّم درساً بحبسه”. وقد صدر على يفراح حكم بالسجن لسبعة أشهر مع وقف التنفيذ، في حين انفجر المستوطنون في قاعة المحكمة بالغناء والرقص. وفي الخارج ساد الصمت المعتاد. فبعد كل شيء، هذا هو الروتين المعتاد.
هكذا كان واقع الحال. وعندما أطلق سراح يفراح، ذكرت الصحف الإسرائيلية أن دورية تابعة للجيش أطلقت النار على ساحة مدرسة للأولاد الصغار في واحد من مخيمات اللاجئين البائسة، وأصابت خمسة أطفال، بزعم أن الدورية تنوي “إخافتهم” فقط. ولم توجَّه أي تهم، ولم تجتذب الحادثة أي اهتمام مرة أخرى. كانت مجرد حلقة أخرى في برنامج “نشر الأمية كنوع من العقاب”، حسب ما ذكرت الصحافة الإسرائيلية، بما في ذلك إغلاق المدارس، واستخدام قنابل الغاز وضرب التلاميذ بأعقاب البنادق، ومنع وصول المساعدة الطبية إلى الضحايا؛ وفي خارج المدارس تطبيق تدابير وحشية أكثر قسوة، والتي تصبح أكثر وحشية خلال الانتفاضة، بأوامر من وزير الدفاع إسحق رابين، الحمائمي المحبوب الذي أبلغ وفداً من منظمة “السلام الآن” في ذروة الوحشية بأنه يشعر بالسعادة بسبب الحوار غير المجدي الذي بدأ بين الولايات المتحدة ومنظمة التحرير الفلسطينية تواً، وهي “مناقشات منخفضة المستوى”، والتي تجنبت الخوض في أي قضية جديَّة ومنحت إسرائيل مهلة “سنة على الأقل” لحل مشاكلها بالقوة. وأوضح رابين: “إن سكان المناطق (الفلسطينية) يخضعون للضغوط العسكرية والاقتصادية القاسية. وفي النهاية، سوف ينكسرون”، ويتخلون عن آمالهم في نيل حياة كريمة.
بعد ذلك بوقت قصير، وُضعت غزة تحت الحصار، وقُطع أي اتصال لها ببقية فلسطين. وكان ذلك مقرراً في إطار اتفاقات أوسلو للعام 1993، التي نصت على أن قطاع غزة والضفة الغربية هما وحدة إقليمية لا تتجزأ. وما تزال هذه هي السياسة الأميركية-الإسرائيلية المطبقة حتى الآن. ويبقى الفصل بين المنطقتين، في انتهاك لالتزامات أوسلو، هدفاً سياسياً حاسماً: فهو يضمن أن لا يتمتع أي كيان حكم ذاتي محدود ربما يتحقق في الضفة الغربية بأي وصول إلى العالم الخارجي سوى عن طريق الأردن، والذي يجري قطعه بدوره من خلال الاستيلاء المنهجي على وادي الأردن. وقد تم تخفيض عدد سكان الوادي الفلسطينيين باطراد من 300.000 قبل العام 1967 إلى أقل من 60.000. والآن، أصبح أكثر من ثلاثة أرباع الوادي خالياً من الفلسطينيين بفعل برنامج تصفه الصحافة الإسرائيلية بدقة بأنه تطهير “tihur babiq’a”. وتتواصل عمليات الطرد المنتظمة هناك بمنتهى القسوة.
سوف نشهد الذكرى 20 لاتفاقات أوسلو قريباً، التي كانت قد قوبلت بالإشادة في ذلك الوقت باعتبارها إنجازاً تاريخياً على الطريق نحو حل الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني. لكنها لم تحظ بالإشادة عالمياً بالطبع، وبالتأكيد ليس من شخصيات فلسطينية بارزة، من بينها رجا شحادة، القانوني البارز في فلسطين، الذي كان يحاول عبثاً ولسنوات وقف انتهاكات إسرائيل للقانون الدولي في الأراضي الفلسطينية، والذي أدرك أن الاتفاقات كانت بمثابة استسلام من طرف منظمة التحرير الفلسطينية الموجودة في تونس، والتي كانت مهمشة في المناطق الفلسطينية، لكنها أعيدت الآن إلى السلطة. وثمة فلسطيني آخر، إدوارد سعيد، الذي رأى ما كان يحدث بدقة، ودان ذلك الاستسلام على الفور. ومن جهته، وصف المؤرخ رشيد الخالدي، مستشار المفاوضين الفلسطينيين، اتفاق أوسلو بأنه “فخ جهنمي”. وهناك شخص آخر أيضاً هو حيدر عبد الشافي، الذي ربما يكون أكثر الشخصيات الفلسطينية احتراماً في داخل المناطق. وكان قد ترأس الوفد الفلسطيني في مفاوضات مدريد التي أدارتها الولايات المتحدة. وفي معرض رفضه الاستسلام لمطالب الولايات المتحدة وإسرائيل، أصر على وجوب أن يمنع أي اتفاق الاستيطان الإسرائيلي غير القانوني في الأراضي المحتلة. وقد تم تجاهل هذه القضية في أوسلو، ورفض عبد الشافي حضور مراسم التوقيع في حديقة البيت الأبيض، “يوم الرهبة” كما وصفته الصحافة الأميركية.
ساد العديد من الأوهام حول أوسلو، والتي تبين أنه لم يكن لها أساس. ولفهم ما كان يجري، كان ينبغي فقط قراءة “إعلان المبادئ” الموجز، الذي كان واضحاً تماماً فيما يتعلق بتلبية مطالب إسرائيل، بينما كان صامتاً تماماً فيما يتعلق بالحقوق الوطنية الفلسطينية. وتنص المادة (1) على أن النتيجة النهائية لهذه العملية -النتيجة النهائية- يجب أن تكون “تسوية دائمة على أساس قراري مجلس الأمن 242 و338”. ويحكي هذا القصة كلها. إن هذه القرارات لا تقول أي شيء على الإطلاق عن الحقوق الفلسطينية التي تُرك مفهومها غامضاً، باستثناء الإشارة إلى “تسوية عادلة لمشكلة اللاجئين”. وقد تم تجاهل قرارات الأمم المتحدة التي تشير إلى الحقوق الوطنية الفلسطينية. وإذا كان تتويج “عملية السلام” سيكون على النحو المبين بوضوح في إعلان المبادئ، فسوف يستطيع الفلسطينيون أن يقبِّلوا آمالهم بنيل درجة محدودة ما من الحقوق الوطنية في فلسطين السابقة قبلة الوداع. كل هذا تم حجبه في المقالات والتعليقات الغربية في الصحافة السائدة، وربما سيتم تجاهله في احتفال الذكرى العشرين لأوسلو، ولكن ليس في النرويج على الأقل؛ حيث ثمة بعض الاعتراف بنوع الضربة القاسية التي وجهتها اتفاقات أوسلو لتطلعات الفلسطينيين.
تصاعد الاعتداء على شعب غزة بحدة في كانون الثاني (يناير) من العام 2006، عندما ارتكب الفلسطينيون “جريمة كبرى”: لقد صوتوا، في أول انتخابات حرة تجري في العالم العربي، “بطريقة خاطئة”. ويتعارض هذا العصيان بحدة مع العاطفة االقائمة حقاً تجاه الديمقراطية، والتي عادة ما يعلنها القادة الغربيون والطبقة السياسية بشكل متكرر. وعلى الفور، وضعت الولايات المتحدة وإسرائيل، وتبعتهما أوروبا بإذعان، تدابير قاسية لمعاقبة المارقين. وأصبحت العقوبة أشد قسوة في السنة التالية، عندما ارتكب سكان غزة جريمة أسوأ من ذلك: بعد الانتخابات، لجأت واشنطن إلى إجراء معياري تستخدمه عندما يصوِّت السكان المجرمون بشكل غير مناسب: إعداد انقلاب عسكري، يكون بقيادة رجل فتح القوي محمد دحلان. لكن الحكومة المنتخبة استبقت الانقلاب، في خطوة لقيت التنديد من الغرب، حين استولت حماس بالقوة على قطاع غزة، وتم تعتيم السياق. من السيئ بما فيه الكفاية أن يصوت المرء بطريقة خاطئة في انتخابات حرة، لكن محاولة إجهاض انقلاب عسكري تديره الولايات المتحدة للإطاحة بالحكومة هي جريمة لا توصف. ولذلك، تم تكثيف الحصار والعقوبات الأخرى بشكل حاد في معرض الرد الانتقامي. ثم ننتقل بعد ذلك إلى عملية “الرصاص المصبوب” وغيرها من الفظائع. ولن أعيد استعراض القصة الصادمة التي ينبغي أن يعرفها الغربيون عن ظهر قلب، نظراً لدورها الحاسم في الموضوع برمته.
كان قطاع غزة طوال هذه السنوات معرضاً للعنف من كل نوع يمكن تخيله. ويتضمن السجل تلك الفظائع السادية والمخطط لها بعناية، مثل عملية الرصاص المصبوب -“الوأد”، كما أطلق عليها الطبيب النرويجي البارز مادس جيلبرت Mads Gilbert، الذي عمل بلا كلل في مستشفى الشفاء في غزة مع زملائه الفلسطينيين والنرويجيين المخلصين مباشرة خلال فترة الاعتداء الإجرامي -وهو مصطلح عادل، بالنظر إلى مئات الأطفال الذين ذُبحوا في العدوان.
ومن هناك يتراوح العنف، ماراً بكل نوع من القسوة التي استخدم البشر قدراتهم العقلية العليا لاستحداثها، صعوداً حتى إيقاع ألم المنفى الذي كتب عنه إدوارد سعيد بمنتهى البلاغة. كان كل هذا حاضراً بشكل صارخ في غزة على وجه الخصوص، حيث ما يزال بوسع المسنّين أن ينظروا عبر الحدود إلى البيوت التي كانوا قد طردوا منها على بعد بضعة أميال -أو التي ربما يتمكنون من مشاهدتها إذا استطاعوا الاقتراب من الحدود من دون أن يتعرضوا للقتل. وكان أحد أشكال العقاب هو إغلاق جانب غزة من منطقة الحدود، بما في ذلك ما يقرب من نصف الأراضي الصالحة للزراعة، وفقاً للأكاديمية البارزة، سارة روي، من جامعة هارفارد.
بينما تشكل غزة تجسيداً للقدرة البشرية على ارتكاب العنف، فإنها تشكل أيضاً مثالاً ملهماً على الحاجة إلى الكرامة. ولعل العبارة الأولى التي يسمعها المرء في غزة عندما يسأل عن التطلعات الشخصية، هي “العيش بكرامة”. ويكتب الناشط البارز في حقوق الإنسان راجي الصوراني من بيته في غزة أن “ما يظل ماثلاً في الذهن هو أن الاحتلال والإغلاق الكامل يشكلان اعتداء مستمراً على الكرامة الإنسانية لأهل غزة خصوصاً، وكل الفلسطينيين بشكل عام. إنهما إذلال وعزل وتقسيم منهجي للشعب الفلسطيني”. وبينما كانت القذائف تمطر على المدنيين مرة أخرى في غزة في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، كرر الصوراني الفكرة: “إننا نطالب بالعدالة والمساءلة. إننا نحلم بحياة طبيعية، نعيش فيها بحرية وكرامة”.
ثمة آخرون يدركون الكثير من سمات الواقع نفسه. في صحيفة “لانسيت”، وصف طبيب زائر من ستانفورد، والذي هاله ما شاهده، غزة بأنها “نوع من المختبر لتجريب الحرص على غياب الكرامة”، وهي حالة لها تداعيات “مدمرة” على الصحة الجسدية والعقلية والاجتماعية. “إن المراقبة المستمرة من الجو، والعقاب الجماعي بالحصار والعزل، واقتحام المنازل والاتصالات، والقيود المفروضة على الذين يحاولون السفر، أو الزواج، أو العمل، تجعل من الصعب على المرء أن يعيش حياة كريمة في غزة”.
وهناك المهنية الشابة التي استطاعت الهرب من غزة إلى كندا، غادة عقيل، والتي تكتب عن جدتها البالغة من العمر 87 عاماً، والتي ما تزال عالقة في سجن غزة: قبل تشريدها، “كانت تمتلك منزلاً، ومزارع، وأرضاً، وكانت تتمتع بالشرف والكرامة والأمل”. وبطريقة مدهشة، لم تتخلَّ الجدة، شأنها شأن الفلسطينيين بشكل عام، عن الأمل. وتقول: “عندما رأيت جدتي في تشرين الثاني (نوفمبر)، كانت سعيدة فوق العادة. وعندما تفاجأت بمعنوياتها العالية، سألتها عن السبب. فنظرت في عينيّ مباشرة، ولدهشتي، قالت إنها لم تعد تقلق بشأن قريتها الأصلية وحياة الكرامة التي فقدتها، لأنه لا رجعة فيها بالنسبة لها. “عندما أراك”، قالت لها الجدة، “أعرف أن قريتنا الأصلية -التي دُمرت منذ وقت طويل- موجودة في قلبك، وأعرف أيضاً أنكِ لست وحدك في رحلتك. لا تجعلي شيئاً يحبطك. إننا ماضون إلى هناك”.
الآن، تتردد الدعوة إلى الحرية في كل أنحاء الربيع العربي الذي يشكل، على الرغم من كل نواتجه التي يعوزها اليقين، تطوراً ذا أهمية تاريخية بلا شك. ويكتب المعلق البارز رامي خوري أن “العملية الجارية الآن في تونس ومصر سوف تستمر في مد أمواجها إلى كامل الوطن العربي، في حين يدرك المواطنون العاديون أن عليهم نيل وحماية حقوقهم الطبيعية في الحرية والكرامة”. وكانت الانتفاضة العربية قد اندلعت في أعقاب تضحية محمد البوعزيزي بنفسه احتجاجاً على معاملته بطريقة مهينة للكرامة. وتقول أمه: “لقد فعل محمد ما فعل من أجل كرامته”. وفي ذكرى انتحاره، أزيحت الستارة عن تمثال لعربة، تكريماً له في البلدة التي نفذ فيها العمل الذي قدح شرارة الانتفاضة. وحضر المراسم أول رئيس تونسي منتخب، والذي شكره هو وكل أولئك الذين ألهمهم لأنهم “جلبوا الحرية لكل الشعب التونسي”.
في الدكتاتوريات العربية، تم قمع الانتفاضات، وغالباً عن طريق العنف، والكثير من مساعدة القوى الغربية. وإنما ليس تماماً. في الكويت، وبينما كان المحتجون يفرون من شرطة مكافحة الشغب، علق أستاذ كويتي في العلوم السياسية بأن “الناس يريدون الكرامة والمشاركة السياسية والمساواة أمام القانون”، وليس إشعال ثورة -ليس المواطنين الكويتيين على الأقل. ربما تكون لدى الغالبية العظمى الذين قاموا بهذا العمل أفكار أخرى في البال.
مثل هذه المشاعر المحفزة المظلومين تمتد إلى ما هو أبعد من الربيع العربي. وقد مررنا تواً بالذكرى المئوية لإضراب النسيج الكبير للعمال المهاجرين في لورانس ماساتشوستس، بقيادة النقابة العالمية للعمال الصناعيين، التي لعبت دوراً رائداً في الحركة العمالية حتى سحقتها بعد بضع سنوات سياسة “الرعب الأحمر” التي طبقها وودرو ويلسون. وفي الذاكرة التاريخية الراسخة التي وصلت إلينا، وبالتمسك بالتطلعات الأصيلة والثابتة، فاز المضربون تحت شعار “الخبز والورد” بالقوت والكرامة. واليوم، ينظم نشطاء المهاجرين في الولايات المتحدة حملة “كرامة المهاجرين”. وكانت صحافة العمال الحية في بواكير الثورة الصناعية قد دانت النظام الصناعي بشدة، ليس بسبب العنف فقط، وإنما بسبب حرمان العمال الذين يديرون المطاحن من كرامتهم كبشر أحرار. وما يزال صدى ذلك يتردد حتى الوقت الحاضر. وقد شهدت أوائل السبعينيات آخر موجة من الإضرابات في الولايات المتحدة قبل أن يتم سحق الحركة العمالية مرة أخرى تحت هجوم النيوليبرالية على الناس، والذي لعب فيه ريغان وتاتشر دوراً قيادياً. كانت الإضرابات دعوة من أجل الخبز والورد، من أجل سيطرة العمال على مكان العمل حتى يتمكنوا من الحفاظ على كرامتهم الأساسية. وما يزال ذلك الطموح مستمراً اليوم مع انتشار الشركات المملوكة للعمال والتعاونيات على نطاق مثير للإعجاب. وقد تم قمع هذه التطلعات بالعنف على مر التاريخ، لكن الشعلة لم تنطفئ أبداً، وما تزال تضج باللهب.
يبقى البحث عن الكرامة أمراً مفهوماً بشكل غريزي لدى أولئك الذين يمسكون بالهراوات، والذين يدركون أن أفضل طريقة لإحباط ذلك البحث، بالإضافة إلى العنف، هي الإذلال. وهذه طبيعة ثانية متجسدة في السجون التي تنحدر إلى أكثر المدارك وضاعة في أماكن مثل باغرام وغوانتانامو، والتي صورتها بطريقة لا تنسى فيكتوريا بريتين Victoria Brittain، التي ألقت الضوء في الآونة الأخيرة على الصورة المخزية ووسعتها لتشمل مصير النساء اللواتي تُركن في الخلف.
لقد اجتذبت الممارسات المعتادة في السجون الإسرائيلية بعض الانتباه اليوم، بسبب القلق من احتمال أن تفضي إلى انتفاضة أخرى بعد وفاة الشاب عرفات جرادات. وكان قد ألقي القبض عليه في منزله في منتصف الليل، بهدف تخويف الأسرة كما يجب، ووجهت إليه تهمة إلقاء الحجارة وقنبلة مولوتوف قبل بضعة أشهر خلال الهجوم الإسرائيلي الأخير على غزة في شهر تشرين الثاني (نوفمبر). وكان الشاب سليماً ونابضاً بالحياة عندما اعتقل. وشاهده محاميه حياً للمرة الأخيرة في المحكمة، ووصفه بأنه كان “منطوياً، خائفاً، مرتبكاً ومنكمشاً”. وقد أعادته المحكمة من أجل 12 يوماً آخر من الاستجواب. وعُثر عليه ميتاً في زنزانته. وكتبت الصحفية أميرة هاس أن “الفلسطينيين لا يحتاجون إلى تحقيق إسرائيلي. بالنسبة لهم، يشكل موت جرادات شيئاً أكبر بكثير من المأساة التي تعرض لها هو وأسرته. من تجربتهم، لا يشكل موت جرادات دليلاً على أن الآخرين لم يموتوا، إنه دليل على أن النظام الإسرائيلي يستخدم التعذيب بشكل روتيني. ومن تجربتهم، فإن الهدف من التعذيب ليس إدانة شخص ما وحسب، وإنما يُستخدم في الأساس من أجل ردع وإخضاع شعب بأكمله” بواسطة الإذلال والحط من الكرامة، والإرهاب، وهي السمات المألوفة للقمع في الداخل والخارج. (يُتبع)

*أفرام نعوم تُشُومِسْكِي Avram Noam Chomsky: أستاذ لسانيات وفيلسوف أميركي وعالم إدراكي وعالم بالمنطق ومؤرخ وناقد وناشط سياسي. وهو أستاذ لسانيات فخري في قسم اللسانيات والفلسفة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا والتي عمل فيها لأكثر من 50 عاماً. بالإضافة إلى عمله في مجال اللسانيات، كتب تشومسكي عن الحروب والسياسة ووسائل الإعلام وهو مؤلف لأكثر من 100 كتاب. وُصف تشومسكي بالشخصية الثقافية البارزة، حيث سُمي “أبرز مثقفي العالم” في استطلاع للرأي في العام 2005.
*ألقيت هذه المحاضرة في الحدث الذي نظمته “قاعات موزاييك” في 18/3/2013، ضمن سلسلة محاضرات إدوارد سعيد السنوية، في بيت الأصدقاء (Friends House) في لندن، وحضرها أكثر من ألف شخص، تحت عنوان: Violence and Dignity: Reflections on the Middle East

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock