تحليل إقتصادي

نعي جولة الدوحة السابق لأوانه

جاغديش باغواتي*

نيويورك ـ إن جولة الدوحة، أول مفاوضات تجارية متعددة الأطراف تجري تحت رعاية منظمة التجارة العالمية، تمر الآن بمرحلة حرجة. فاليوم وبعد عشرة أعوام من المفاوضات أصبحت المحادثات في احتياج إلى دَفعة سياسية أخيرة، خشية أن تختفي جولة الدوحة ـ وبالتالي منظمة التجارة العالمية ـ من على شاشات الرادار العالمية.
الواقع أن الخطر حقيقي بالفعل: فعندما زرت جنيف قبل عام واحد كنت أقيم في فندق ماندارين أورينتال الراقي، فسألت المسؤول عن البوابة عن مدى بُعد منظمة التجارة العالمية عن الفندق، فنظر إلي وسألني: “هل منظمة التجارة العالمية وكالة سفر؟”.
الواقع أن التهديد المتمثل في انزلاق الأمر برمته إلى مستنقع النسيان مفهوم لدى كبار رجال الدولة، الذين ألزموا أنفسهم بدعم الأمر حتى النهاية. فقد سارع رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، والرئيس الإندونيسي سوسيلو بامبانج يودهويونو، وعلى نحو لا لبس فيه، إلى تأييد توصية فريق الخبراء الرفيع المستوى المعني بالتجارة، والذي اشتركت شخصياً مع بيتر سزرلاند في رئاسته، بالتخلي عن جولة الدوحة إذا لم يتم استكمالها بحلول نهاية هذا العام.
وكانت الفكرة التي استندنا إليها تتلخص في إسهام تحديد الموعد النهائي والوفاة المرتقبة لجولة الدوحة في تحفيز رجال الدولة العالميين للضغط من أجل استكمال الميل الأخير من الماراتون. (والقياس هنا مناسب إلى حد كبير، إذا ما علمنا أن باسكال لامي المدير العام لمنظمة التجارة العالمية، والذي عمل بكل براعة على الإبقاء على استمرار العملية، شارك في العديد من سباقات الماراتون).
ولكن حتى مع اكتساب هذه الجهود للمزيد من الزخم، أسقطت صحيفة فاينانشال تايمز، التي كانت من أشد المؤيدين للتجارة الحرة المتعددة الأطراف، أسقطت قنبلة عنقودية على الدوحة، حتى أنها هنأت نفسها بأنها في العام 2008 (عندما فشل اجتماع وزاري في التوصل إلى بيان ختامي) زعمت أن الزعماء لابد وأن يعترفوا بأن المفاوضات قد توفيت بالفعل. ولكن إذا نسي المتشككون رد مارك توين الشهير على نعيه الخاطئ ـ “إن التقارير التي تحدثت عن وفاتي كانت مبالغة إلى حد كبير” ـ فهل كان المفاوضون الذين استمروا في العمل منذ ذلك الوقت أشبه بأرواح الأموات الذين تحدث عنهم جوجول؟
إن صحيفة فاينانشال تايمز توصي بوضع خطة بديلة على الفور، وهو ما من شأنه أن يخرب الجهود السياسية الرامية إلى إتمام جولة الدوحة. وعلى الرغم من الخطب المضجرة عن إلزام الوزراء بنبذ العادات الراسخة، والتركيز على الجوهر بدلاً من الخطابة، وعن مشاركة الشركاء التجاريين في التفاصيل الدقيقة لما تريده الشركات، فإن هذه الخطة البديلة المقترحة من شأنها أن تعزز من المبادرات التجارية الثنائية والإقليمية التي حولت الطاقة والانتباه بعيداً عن جولة الدوحة ومنظمة التجارة العالمية. والمفارقة العجيبة هنا أن انتشار مثل هذه الاتفاقيات التجارية التفضيلية تبرر عادة بالإشارة على الافتقار إلى إحراز أي تقدم فيما يتصل بإتمام محادثات الدوحة. والواقع أنني لم أشهد من قبل قط مثل هذا الخلط الرهيب بين الأسباب والنتائج في الجدال الدائر حول السياسة التجارية.
لقد بات من الواضح على نحو متزايد أن مثل هذه الاتفاقيات التفضيلية هي في واقع الأمر ما أطلق عليه “النمل الأبيض في النظام التجاري”. وهناك أدلة متزايدة تشير إلى أن مثل هذه الاتفاقيات تعزز من التشتت التجاري الضار بزيادة التمييز ضد الدول غير الأعضاء من خلال الاستخدام التفضيلي لقوانين مكافحة الإغراق. وعلى هذا فإن العمل الذي قام به الخبيران الاقتصاديان توم بروسا وروبرت تيه مؤخراً يثبت بأدلة مقنعة أن تسجيل حالات مكافحة الإغراق انخفض بنسبة تتراوح بين 33 % إلى 55 % داخل اتفاقيات التجارة التفضيلية، في حين ارتفع معدل تسجيل مثل هذه الحالات ضد البلدان غير الأعضاء بنسبة تتراوح بين 10 % إلى 30 %.
والأمر الأكثر أهمية هو أن اتفاقيات التجارة التفضيلية تستخدم من قِبَل القوى المهيمنة للدس على مطالب الشركاء التجاريين الأكثر ضعفاً فيما قد لا يتصل بالتجارة ولكنه مرغوب من جانب جماعات الضغط المحلية، وفي بعض الأحيان بشكل غير متساوق إلى حد كبير. وعلى هذا فقد أعيدت كتابة تشريعات العمل في بيرو بأيدي أعضاء الكونجرس الأميركي المدينين لنقابات أميركية قبل إبرام الاتفاقية التجارية التفضيلية بين الولايات المتحدة وبيرو.
وعلى نحو مماثل، عمل كلود بارفيلد على توثيق الكيفية التي تم بها ترهيب كولومبيا لحملها على تجريم المشاركة في أعمال “تقوض الحق في التنظيم والمفاوضة الجماعية” (وإصدار أحكام بالسجن قد تصل إلى خمس سنوات). ويتعين على كولومبيا أيضاً أن تمرر مشروع قانون يقضي بالسجن على كل من “يعرض اتفاقاً جماعياً على عمال غير نقابيين بشروط أفضل من المقدمة لعمال نقابيين”. ولكن هل تبدأ الإدارة الأميركية في توجيه الاتهامات الجنائية ضد حاكم ويسكنسون وغيره من الزعماء الجمهوريين الذين يقومون بالأفعال نفسها التي تتعرض الحكومة الكولومبية للترهيب كي لا تقوم بها؟
إن مثل هذه التجاوزات تتطابق مع ما يجري في إطار اتفاقيات التجارة التفضيلية الخاضعة للهيمنة، على النقيض مما يحدث في إطار منظمة التجارة العالمية، حيث لا تستطيع القوى المهيمنة ترهيب البلدان الأكثر قوة مثل البرازيل والهند (التي طلبت من الاتحاد الأوروبي إن يزيل كافة التدابير غير المتصلة بالتجارة من الاتفاقية التجارية التفضيلية المقترحة). ومكمن الخطر هنا هو أن هذه التجاوزات من شأنها أن تدفع المجتمع المدني والناخبين في الدول الديمقراطية النامية إلى الرد على القوى المهيمنة التي لا تخدم إلا مصالحها بالتخلي عن التجارة الحرة برمتها، على افتراض أن مثل هذا الانفتاح ليس أكثر من استعمار جديد.

* أستاذ علوم الاقتصاد والقانون بجامعة كولومبيا.
خاص بـ “_” بالتعاون مع بروجيكت سنديكيت 2011.

مقالات ذات صلة

السوق مغلق المؤشر 1803.05 0.16%

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock