فكر وأديان

نفحات أيام التشريق

د. علي جمعة*

إن للعبادات في الإسلام حِكما وأسرارا تنكشف لكل ذي تفكير سليم وعقل راجح ونفس راقية‏.‏ ويعد الحج من أعظم العبادات أسرارا وأكثرها حِكما.‏ وتتمثل هذه الأسرار وتلك الحكم في شعائره جميعها؛ من طواف وسعي ووقوف‏..‏ إلخ، وتمتد أيضا إلى سائر الشعائر التي ترتبط بالحج وتجمع الأمة الإسلامية تحت لوائها، كيوم العيد وأيام التشريق.
وأيام التشريق هي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة. وسميت بـ”التشريق” لكثرة ما ينشر في الشمس من اللحم فيها. وهي أيام ذكر لله تعالى وشكر له، قال صلى الله عليه وسلم: “أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله” (صحيح مسلم/1141). وهي أيام يحرم الصوم فيها لغير الحاج، قال صلى الله عليه وسلم: “يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق، عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب” (سنن الترمذي/773)، وهي الأيام المعدودات المذكورة في قوله تعالى: “وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ” (البقرة، الآية 203).
وقد حث الشرع الشريف على الإكثار من ذكر الله تعالى في أيام التشريق، إذ يتأكد في هذه الأيام المباركة التكبير المقيد بأدبار الصلوات المكتوبات، والتكبير المطلق في كل وقت إلى غروب شمس اليوم الثالث عشر. وقد امتثل الصحابة لذلك، فقد كان عمر رضي الله عنه يكبر في قبته بمنى، فيسمعه أهل المسجد فيكبرون، ويكبر أهل الأسواق حتى ترتج منى تكبيرا. وكان ابن عمر رضي الله عنهما يكبر بمنى تلك الأيام وخلف الصلوات وعلى فراشه وفي مجلسه وممشاه تلك الأيام جميعا. وكانت ميمونة رضي الله عنها تكبر يوم النحر، وكان النساء يكبرن خلف أبان بن عفان وعمر بن عبدالعزيز ليالي التشريق مع الرجال في المساجد (صحيح البخاري 2/ 20).
وكون هذه الأيام أيام أكل وشرب فيه إشارة إلى أن الأكل في أيام الأعياد والشرب يستعان بهما على ذكر الله تعالى وطاعته، وذلك من تمام شكر النعمة أن يستعان بهما على الطاعات. وقد أمر الله تعالى في كتابه بالأكل من الطيبات والشكر له، قال صلى الله عليه وسلم: “إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها” (صحيح مسلم/2734)؛ فأيام التشريق يجتمع فيها للمؤمنين نعيم أبدانهم بالأكل والشرب، ونعيم قلوبهم بالذكر والشكر، وبذلك تتم النعمة.
وفي النهي عن صيام أيام التشريق بعد العمل الصالح في العشر الأول من ذي الحجة لمن لم يحج وبعد أعمال الحج للحاج، لفتة إلى حال المؤمنين في الدنيا؛ فإن الدنيا كلها أيام سفر كأيام الحج، وهي زمان إحرام المؤمن عما حرم الله عليه من الشهوات؛ فمن صبر في مدة سفره على إحرامه وكف عن الهوى، فقد قضى تفثه ووفى نذره، وصارت أيامه كلها أيام أكل وشرب وذكر لله عز وجل، وصار في ضيافة الله عز وجل في جواره بجنة الخلد. ولهذا يقال لأهل الجنة: “كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ” (الطور، الآية 19)، ويقال لهم: “كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ” (الحاقة، الآية 24). فمن صام اليوم عن شهواته أفطر عليها غدا بعد وفاته، ومن تعجل ما حرم عليه من لذاته عوقب بحرمان نصيبه من الجنة وفواته.
ومن الطاعات والقربات التي دعا الإسلام إليها في هذه الأيام، زيادة الأواصر الاجتماعية؛ إذ حث الإسلام فيها على بر الوالدين وصلة الأقارب ومودة الأصدقاء وزيارتهم، فتتزين المجالس بالحب والتراحم والتواد، وتزول الأحقاد والمشاحنات والنفرة من النفوس.
إن الأعياد لم تشرع لتكون مناسبات فارغة المحتوى والمضمون من الدلالات الأخلاقية والإنسانية، وإنما جاءت لتكون مظاهر لقيم الإسلام وآدابه وجمالياته المعنوية والحسية. فالأعياد تجدد الروابط الإنسانية، إذ يتجلى السلوك الطيب والأخلاق الحميدة، وتشيع التهاني والقول الحسن بين الناس، ويظهر المسلمون بصفة الرحمة التي هي قوام دينهم؛ فتتجدد العلاقات الإنسانية وتقوى الروابط الاجتماعية وتنمو القيم الأخلاقية، ويصبح المسلم دعوة مفتوحة لهذا الدين، ونبراسا هاديا لنفوس الحائرين، وبردا وسلاما على العالمين.
ولما يفعله المسلم في أيام التشريق من الذكر والصلة والمودة نفحات تتوالى عليه، وهدى من الله ورضوان؛ فينبغي على المسلم أن يصطحب هذه النفحات معه في سائر أيامه بعد أيام التشريق. واصطحابها يكون بالإتيان بأسبابها من الذكر لله تعالى في كل حال، وصلة الأقارب والمودة والرحمة بإخوانه ومواطنيه، والامتثال لأوامر الله سبحانه في كل حين، لتكون نفحات هذه الأيام نعمة منه تعالى على المجتمع الإسلامي بأسره، وهداية منه تعالى لعباده، ورحمة منه ورضوان.
فاللهم تقبل منا صالح الأعمال، واجعلها خالصة لوجهك الكريم، وانشر بيننا وحولنا السعادة والحب والطمأنينة والسلام.. وكل عام والعالم العربي والإسلامي، بل كل إنسان، بخير ويمن وبركات.

*مفتي الديار المصرية

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock