اقتصادتحليل إقتصادي

نفخ الحيوية في برنامج مشتريات الطوارئ للجائحة

رضا مقدم*

لندن- عندما أطلق البنك المركزي الأوروبي برنامج مشتريات الطوارئ للجائحة في آذار(مارس) بقيمة 750 مليار يورو (818 مليار دولار أميركي)، أُشـيد به باعتباره “البازوكا الكبرى”، مما جلب نوعا من الارتياح لأسواق السندات في ما يسمى بلدان منطقة اليورو الطرفية مثل إيطاليا، وإسبانيا، والبرتغال، واليونان. لكن يتعين على البنك المركزي الأوروبي أن يعمل على تعزيز البرنامج لجعله فـعّـالا حقا.
تختلف مشتريات طوارئ الجائحة التي ينفذها البنك المركزي الأوروبي عن برنامج مشتريات الأصول المنتظم الشامل، والذي يسعى إلى توفير حوافز نقدية عامة. ففي حين أن هذه العمليات تستند إلى حصة كل دولة في رأسمال البنك المركزي الأوروبي (أو “مفتاح رأس المال”)، يتلخص الغرض من برنامج مشتريات الطوارئ للجائحة في إصلاح عطل في السوق من خلال توجيه عمليات الشراء في البلدان التي ترزح تحت وطأة أعظم الضغوط.
نجح البرنامج الجديد، الذي يتوقع المستثمرون من البنك المركزي الأوروبي أن يعمل على توسيعه، في وضع سقف لفوارق أسعار الفائدة بين بلدان منطقة اليورو الرئيسية والطرفية. لكن تظل الفوارق مرتفعة والمستثمرون متوترين، وخاصة في ظل احتمال أن تؤدي أزمة مرض فيروس كورونا 2019 (كوفيد-19 COVID-19) إلى زيادة الدين العام في إيطاليا إلى 150 % أو 160 % من الناتج المحلي الإجمالي في المستقبل المنظور. ولا توجد وسيلة جيدة للتعامل مع هذه الصدمة ببراعة.
من المؤكد أن قدرة برنامج مشتريات الطوارئ للجائحة على توجيه عمليات مشتريات الأصول، ودون فرض شروط السياسة على المستفيدين، تجعله سلاحا أكثر فعالية وقوة من مخطط المعاملات النقدية الصريحة الذي قدمه رئيس البنك المركزي الأوروبي آنذاك ماريو دراجي في أوج أزمة اليورو في العام 2012.
لكن برنامج مشتريات الطوارئ للجائحة في حد ذاته لا يبدد المخاوف بشأن القدرة على تحمل الديون التي خلقتها أزمة كوفيد-19، بسبب قيدين يفرضهما البرنامج. فأولا، هناك افتراض مفاده أن السندات المشتراة بموجب المخطط لن يُــحـتَـفَـظ بها إلا بشكل مؤقت ــ وهو الانطباع الذي يعززه حكم المحكمة الدستورية الاتحادية الألمانية الأخير ضد البنك المركزي الأوروبي في ما يتصل ببرنامج مشتريات القطاع العام المنفصل. وثانيا، من المفترض أن يبقى مفتاح رأس المال “مبدأ توجيهيا” لبرنامج مشتريات الطوارئ للجائحة بمرور الوقت.
لكي ترى كيف تضعف هذه القيود فعالية برنامج مشتريات الطوارئ للجائحة، تأمل في ما يحدث عندما يُـشـتَـرى سند سيادي بموجب البرنامج. بناء على تعليمات المجلس الحاكم للبنك المركزي الأوروبي، تتعهد البنوك المركزية الوطنية بنسبة 80 % من المشتريات، وتسارع إلى إعادة أي فائدة تتلقاها إلى الحكومات كتحويل للأرباح. ثم تصبح السندات بلا تكلفة فعليا، فلا تشكل بالتالي مصدر قلق من حيث القدرة على تحمل الديون. لكن هذا سيستمر فقط ما دام البنك المركزي الأوروبي محتفظا بالدين.
إذا كان لفوارق السندات الطرفية أن تنخفض على أساس دائم، فإن الديون الإضافية المستحقة على هذه البلدان نتيجة لأزمة كوفيد-19 ــ والتي تقدر بنحو 500 مليار يورو في الفترة 2020-2021 ــ لابد أن تصبح بلا تكلفة فعليا. ومن الممكن أن يضمن البنك المركزي الأوروبي هذا من خلال الالتزام بالاحتفاظ بهذا الدين لفترة كافية من الوقت، ولنقل عشرين عاما أو أكثر. بالإضافة إلى هذا، يجب إسقاط إشارة برنامج مشتريات الطوارئ للجائحة إلى مفتاح رأس المال من أجل إزالة أي ادّعاء بأن البنك المركزي الأوروبي سيبيع سندات البلدان الأعضاء الطرفية أولا إذا قرر تقليص حجم محفظته.
الواقع أن الفائدة الاقتصادية المترتبة على الحد من فروقات السندات بين البلدان المركزية والمحيطية، وبالتالي الحفاظ على تماسك منطقة اليورو، تفوق في وزنها ثلاثة تخوفات محتملة بشأن برنامج مشتريات الطوارئ للجائحة. فبادئ ذي بدء، يُـخشى أن تؤدي مشتريات البنك المركزي الأوروبي الضخمة من السندات إلى التضخم المرتفع. يبدو هذا التخوف مفرطا في المبالغة في وقت حيث الانكماش هو الخطر الأعظم.
ثانيا، هناك التخوف من “الهيمنة المالية”، والتي بسببها يصبح البنك المركزي الأوروبي مترددا هيابا في زيادة أسعار الفائدة في المستقبل، خشية أن تضطره الخسائر على الميزانية العمومية إلى أعادة الرسملة من قِـبَـل الحكومات، مما يعرض استقلاليته للخطر. ولكن يبدو من الصعب أن نتخيل أن قِلة من البلدان على أطراف منطقة اليورو قادرة على تحدي استقلالية البنك المركزي الأوروبي، المنصوص عليها في معاهدة عمل الاتحاد الأوروبي.
أخيرا، هناك الخوف الدائم من المخاطر الأخلاقية ــ أن تفضي عمليات الإنقاذ إلى تشجيع عدم المسؤولية المالية. وهذا في غير محله بكل تأكيد: تعكس مشكلة إيطاليا الحالية مستوى انطلاقها الأعلى من الدين، الذي تقبله شركاؤها في منطقة اليورو لفترة طويلة، واستجابتها المالية الأكبر للأزمة الحالية، التي يتفق الجميع على أنها مناسبة.
كما يمكن الدفاع عن الانحراف الذي طال أمده عن مفتاح رأس المال. إن برنامج مشتريات الطوارئ للجائحة ليس تدبيرا نقديا، بل يهدف إلى التغلب على عقبة تحول دون نقل السياسة النقدية إلى بلدان منطقة اليورو كافة ــ على وجه التحديد، الفوارق المرتفعة التي يحدثها تأثير الجائحة المتفاوت على مستويات الدين العام في هذه البلدان. إذا كان تأثير أزمة كوفيد-19 على أسواق سندات منطقة اليورو غير متماثل وطويل الأمد، فيجب أن تكون الاستجابة غير متماثلة وطويلة الأمد. وأي تأثيرات نقدية غير مقصودة نتيجة لبرنامج مشتريات الطوارئ للجائحة يمكن تعقيمها، أو إبطالها، من خلال أسعار فائدة أعلى أو مبيعات من سندات البلدان غير الطرفية.
من المؤكد أن أيا من هذا لا يتحاشى الحاجة إلى استجابة مالية أوروبية مشتركة. فرغم أن صندوق التعافي الأوروبي الناشئ يمثل خطوة مهمة إلى الأمام في هذا الصدد، يبقى لنا أن نرى ما إذا كان قادرا على توفير حافز كبير بالقدر الكافي للدول الأشد تضررا. علاوة على ذلك، لن يفعل مثل هذا الصندوق الكثير للحد من الدين الإضافي الناتج عن الأزمة، لكن المقصود منه في كل الأحوال أن يساعد في مرحلة لاحقة من التعافي.
في اللحظة الراهنة، يُـعَـد برنامج مشتريات الطوارئ للجائحة الحل الوحيد المتاح لضمان نجاة منطقة اليورو من أزمة كوفيد-19 سالمة. لا ينبغي لقرار المحكمة الدستورية الألمانية الأخير أن يروع البنك المركزي الأوروبي، بل يتعين عليه أن يعمل على تعزيز قوة البازوكا لمنع الجائحة من إحداث المزيد من الضرر.

*مقدم كبير المستشارين الاقتصاديين في مورجان ستانلي، وكان يشغل سابقا منصب مدير القسم الأوروبي في صندوق النقد الدولي.
*خاص بـ”الغد” بالتعاون مع ” بروجيكت سنديكيت”

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock