;
أفكار ومواقف

نقاء..

د.لانا مامكغ

لم أعلم لماذا اختارني، تحديداً، لذلك البوحِ يومَها رغم علاقتنا المحدودة، إذ لا أعرفُ عنه سوى كونه شابّاً مهذّباً متفوّقاً في دراسته، وعلى وشك التّخرّج في إحدى الكليّات العلميّة، جلس أمامي ساهماً مطرقاً، إلى أن قالَ بأسى: « تعلمين أنَّ جامعتي كرّمتني مؤخّراً لإحرازي العلامات العليا في المواد كلّها…» فأجبت بسرعة: «طبعاً، وكنّا سعداءَ للغاية بإنجازك، و…» ليقاطعَني قائلاً: «لكنّي لا أستحقُّ أيّاً من ذلك، وثمّةَ حزنٌ في قلبي بحجم الكون!»

قلتُ:» أفهمُك تماماً، لعلّه القلقُ من المستقبل، ومن الحياة خارجَ هذا الحرم الجميل، ومن صعوبة الحصول على فرصة عمل» فأجاب: «لكنّي موعودٌ بوظيفةٍ لائقة في إحدى الشّركات عن طريق الجامعة… الجامعةِ التي خنتها!»

غلبتني الدّهشةُ، فلم أعلّق، ليضيف: « قدّمنا آخر امتحان إلكتروني قبل أيّام، وكان مَنْ يراقبُنا في القاعة أستاذُ المادّة نفسِها، ذاك الذي تربطُني به علاقةٌ خاصّة بسبب تفوّقي، فبيننا مقاديرُ من المودّة جعلته يثقُ بي ويُقدّرُني… إلى أن جاء ذلك اليومُ المشؤوم، إذ فوجئتُ به يقتربُ منّي مرتبكاً وأنا على وشك المغادرة، ليهمسَ أنَّ أحدَ أبنائه تعرّضَ لحادث، ويرجوني أن أقفَ مكانه لدقائق حتى يتابعَ الحالةَ الطّارئة على الهاتف، ويعودَ إلى القاعة، وافقتُ بلا تردّد، لكن في الّلحظة التي خرج بها هو، انهالت عليّ طّلباتُ الزّملاء لمساعدتهم في الإجابة عن بعض الأسئلة الصّعبة… فضعفتُ أمام توسّلاتهم، خاصّة أنّها المادّة الأخيرة التي تفصلُ طلبةَ التّخصّص عن التّخرّج، إضافة إلى أنَّ معظمَهم يعانون من أوضاعَ ماليّة حرجة، فالرّسوب في الامتحان يعني اضطرارَهم لتسجيل فصلٍ جديد بكل ما يعنيه هذا من تكاليف ماليّة وأدبيّة أمام أهاليهم المتلهّفين للاحتفاء بتخرّجهم…»

ثمَّ أضافَ وهو يتحاشى النّظرَ إليّ: «ما لا تعلمونه أنتم الأساتذة أنّنا، نحن الطّلبة، نميّزُ بين الحلال والحرام بسهولة في شؤون الحياة، إلا الغش، فهناك مساحةٌ في نفوس بعضِنا تقبلُه وتحلّله وتباركُه… علماً أنّي لم أغش في حياتي كلّها، رغم ذلك، انتهى الأمر بأن غادرتُ القاعة، بعد عودة الأستاذ الذي خُنتُ ثقتَه، وأنا أشعرُ أنّي أحقرُ من حشرة!»

قلت: «للأسف، لكلِّ خطيئةٍ مبرّراتُها المنطقيّة في ذهن مَنْ يقترفُها» فأضاف بحزن كأنّه لم يسمعني:
«ما زاد الأمرَ بشاعةً وسوءاً، هذا النّصُ للإمام الشّافعي الذي قرأته أمس لأشعرَ كأنّه مرسلٌ لي من الله…» وبدأ يقرأ بصوتٍ متهدّج: «أصعبُ الحرامِ أوّلُه، ثمَّ يَسهُل، ثمَّ يُستساغ، ثمَّ يُؤلَف، ثمَّ يحلو، ثمَّ يُطبعُ في القلب… ثمَّ يبحثُ القلبُ عن حرامٍ آخر!»

نهضَ فجأةً ليقول: «ما حدثَ كان أوّلُ الحرام… وأنا مُقبلٌ على وظيفةٍ تقتضي أن أكونَ على قدْرِ الثقة التي يرتجيها منّي ربُّ العمل، هل سأستسيغُ ما فعلتُ في الامتحان فأمرُّ في المراحلِ التي ذكرها الشّافعي حتى ينتهيَ بي الأمرُ بالبحثِ عن حرامٍ آخر؟»

ودون أن ينتظرَ إجابتي، استأذنَ وغادرَ مطرِقاً كما أتى، ليتركَني حائرة، إذ لم أعرف إنْ كان عليّ أن أفخرَ به… أم أخشى عليه من نقائه!

المقال السابق للكاتبة

الحاسة الأولى..

للمزيد من مقالات الكاتبة انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock