أفكار ومواقف

نقطة البداية في مسلسل تراجع مستوى التعليم

سأتكلم في الموضوع بلغة بسيطة وواضحة يفهمها الجميع، مدعياً أنني كنت شاهداً على هذه البداية، ففي سنة 1967م عُينت رئيساً لقسم التخطيط التربوي (1967 – 1970) المستحدث في وزارة التربية والتعليم بعد عودتي من بعثة دراسية تخصصت فيها بالتخطيط التربوي (والاقتصادي).
كانت إحدى أهم الأفكار ولعلها أهم فكرة خطرت على بالي في موضوع التخطيط ولضمان جودة التعليم التخطيط للعشرين سنة القادمة لما سميته في حينه بالمدارس المركزية. وقد خطرت هذه الفكرة على بالي من عملي معلماً (1954 – 1966) في المدارس الثانوية للبنين والبنات في كل من نابلس وجنين وطولكرم، حيث كانت تشكل كل منها مصباً لتلاميذ وتلميذات المدارس الإلزامية/ الإعدادية في القضاء، وكأنها مدارس مركزية ثانوية لها. وكان الأمر كذلك في الضفة الشرقية.
كانت تلك المدارس قوية جداً، فقد كان في كل مدرسة عدد غير قليل من الصفوف والشعب الثانوية، وبحيث يتوافر نصاب المعلم/ة بالكامل من الحصص الأسبوعية (24 حصة) في المادة الواحدة، كالرياضيات، أو الفيزياء، أو الكيمياء، أو الأحياء، أو التاريخ… وأخرى أكثر في اللغة العربية والإنجليزية، مما كان يتيح لكل مادة في المدرسة توفير معلم/ة متخصص/ة لها.
وقد اقتنع وزير التربية والتعليم ووكيله آنذاك بالفكرة وأمرا بإعداد خطة لذلك، حددنا فيها المدارس المركزية في كل محافظة أو لواء، والمدارس الإعدادية التي تصب فيها وأعداد التلاميذ والتلميذات في الفترة التي ذكرت. كنا فرحين جداً بهذا العمل بل كنت سعيداً فيه بعد إتمامه ورقياً.
غير أنني فوجئت بانقلاب الوضع رأساً على عقب بقرار الوزير ترفيع عشرات المدارس الإعدادية إلى مدارس ثانوية، والقضاء على الفكرة والخطة تماماً. وقد انكسر خاطري وأطيح بأملي بهذا القرار إلى اليوم.
لعلّه من هناك – في نظري – بدأ مستوى التعليم في الانحدار، وقد تسألون كيف أو لماذا؟.
الجواب: أنه لترفيع مدرسة إعدادية إلى مدرسة ثانوية، تُفتح شعبة للصف الأول الثانوي فيها، ثم شعبة أخرى للصف الثاني الثانوي في السنة التالية، وأخرى للصف الثالث الثانوي في السنة التي تليها. والآن فكروا معي: عندما تفتح شعبة ثانوية أولى في المدرسة يكون لديك أربع حصص للرياضيات، وحصتان لكل من الكيمياء، أو الفيزياء، أو الأحياء، أو التاريخ… وأكثر من ذلك للغة العربية والإنجليزية. ولكن حصص المادة الواحدة لا تبرر تعيين معلم (ندرة) لها، لأن حصصها الأسبوعية لا تكفي لتعبئة النصاب الأسبوعي من الحصص للمعلم/ة المتخصص/ة ومقدارها أربع وعشرون حصة، وحتى لو أضيفت إليها حصص الصفوف الإعدادية. وهكذا يرسل / يعين للمدرسة الثانوية الجديدة معلمان/ معلمتان (إحصائياً معلم/ة ونصف) ، لملء شواغـر المدرسـة بالصـف الثانـوي الجديـد. وهكذا يُعاد توزيع حصص المدرسة على المعلمين/ المعلمات في المدرسة، ويرتقى المعلمون/ المعلمات السابقون في المدرسة الإعدادية بالتعليم في الصف الثانوي الجديد، ويهبط مستوى التعليم.
وبمرور الوقت تحول – بموجب هذه السياسة – كثير من المدارس إلى مدارس ثانوية، دون أن تستطع الوزارة تعيين معلمين/ معلمات مختصين في كل مدرسة لعدد محدود من الحصص الخاصة بالمادة. وحتى لو طلب منهم التعليم في أكثر من مدرسة في المنطقة فإن ذلك لم يكن عملياً.
لقد أدى هذا الترتيب فيما بعد إلى رسوب جميع التلاميذ والتلميذات في مدارس ثانوية كثيرة. وبتمأسسه صار من الصعوبة بمكان وربما الاستحالة إعادة الوضع إلى ما كان عليه سابقاً. لقد كان قرار الوزير قفزة في المجهول الذي تكشف الآن بالانحدار الشديد في مستوى التعليم العام، وبالتالي في مستوى التعليم العالي.
كان يمكن تلافي الوضع بتوعية المواطنين فيه، فالأبوان والناس جميعاً كانوا سيرفضون هذا الترتيب لو فهموا أن أبناءهم وبناتهم سيرسبون في الامتحان، وسيكونون مستعدين لإرسالهم إلى أبعد مدرسة ولو مشياً على الأقدام (في تلك الأيام) إذا كانت أفضل من مدرسة البلدة كما كانوا يفعلون في الماضي.
أما العامل الثاني المتسبب في الانحدار فهو إلغاء دور المعلمين والمعلمات المتوسطة التي كانت تُعد أحسن المعلمين والمعلمات للمرحلة الإلزامية. لقد أثبتت بحوث عدة أنهم أفضل للتعليم لهذا المستوى العمري والعلمي والتربوي من الأطفال، من حملة البكالوريوس الذين يأنفون من تعليم الصغار، ويتطلعون بقلق وأمل إلى الترقي إلى مرحلة أو وظيفة (إدارية) أعلى. فما بالك إذا كانوا ضعافاً في تخصصاتهم نتيجة الترتيب الذي ذكرناه؟!!!.
جاء قرار إلغاء دور المعلمين والمعلمات بحجة ضرورة حصول جميع المعلمين والمعلمات على البكالوريوس ودبلوم التربية في الجامعات. أما الهدف الحقيقي للقرار فكان توفير عمل دائم وبخاصة لكليات التربية الكثيرة في الجامعات التي لم يرافق نشوؤها واستمرارها ارتفاع في مستوى التعليم.
لعلّ إعداد المعلمين والمعلمات بالساعات المعتمدة هو أضعف إعداد لهم إن لم يكن أيضاً أقل فائدة للتعليم. وبه أخذنا عن أمريكا المغلف (الساعة المعتمدة) وألقينا الرسالة في سلة المهملات، وهي وجوب قيام الطالب/ة بالدراسة والبحث بمقدار ساعتين على الأقل في الأسبوع مقابل كل ساعة صفية ليكون للاعتماد معنى وقيمة.
إن الإعداد بهذه الطريقة المنقوصة لا يجعل الطالب/ة المعلم/ة يصير (Becomes) معلماً/ة، وإنما مجرد واحد يشتغل في التعليم إلى أن يفرجها الله. والصحيح أو الصريح أن الطريقة الأميركية في الإعداد للتعليم لا تختلف عن الطريقة الأميركية في التسوق من السوبرماركت التي صرنا نمارسها في بلدنا، فعربة التسوق تُملأ بمواد شتى فوق بعضها البعض ليس لها علاقة ببعضها البعض، فتبقى مخلوطاً ولا تتحول إلى مركب.
أما الدليل عليه فتفوق المعلم الأوروبي في فنلندة أو الدنمارك أو ألمانيا…. على المعلم الأميركي في كل شيء. إن أميركا تعاني من فشلها في إصلاح التعليم، على الرّغم من كثرة المحاولات.
أما العامل الثالث فالحصانة الإدارية التي يحصل عليها المعلم/ة بالنقل إلى مدرسة بلدته حيث تحميه العشيرة مهما فعل. هناك قصص كثيرة عن عجز الوزارة حتى عن نقل معلم زائد أو معلمة زائدة إلى مدرسة خارج البلدة.
لولا هذا التقليد البائس لصار الاندماج الاجتماعي في البلاد أقوى، فالمعلم/ة الغريب/ة أي الذي يعلم في مدرسة خارج بلدته، قد يقيم هناك، وقد يتزوج من هناك، وقد يبقى هناك مما يزيد المجتمع اندماجاً وتركيباً.
لقد أدى هذا التقليد إلى ظهور دعوات ساذجة إلى قصر العمل في البلدة/ المحافظة على أبنائها وبناتها، وإن كان ذلك يستدعي معاملتها بالمثل بعدم تعيين أبنائها وبناتها في المحافظات الأخرى، أو بطردهم منها.
أكرر القول إنه لو قامت الوزارة بتوعية الأهلين على سلبيات ترفيع مدارسهم إلى مدارس أعلى أو إلى مدارس ثانوية لما وافقوا على ذلك لأن كل أب وكل أم وكل الناس يرغبون في توفر المعلم الأفضل، أو الطبيب الأفضل، أو المهندس الفضل… للعمل في بلدتهم أياً كان أصلهم أو فصلهم، على تعيين ابن البلدة الضعيف فيها.
أما العامل الرابع المدمر للتعليم الجامعي/ العالي فهي أسس القبول المعمول بها منذ عقود القائمة على المحاصصة والكوتات والقوائم (تستولي على 72% من المقاعد كما أفاد وزير تعليم عالٍ أسبق) والتعليم الموازي والاستثناءات والإقصاءات التي تلتقي في الالتفاف على نتائج امتحان الثانوية العامة (التوجيهي) وتجيير المقاعد الجامعية في الطب والهندسة… (مع أنها مشبعة) لمن هم أكثر حظاً، أو مالاً، أو ميزة لا تخفى على أحد.
إن في الجعبة الكثير عن مأساة التعليم. وقد تكلمت بالإشارة عن بعضها في المقال السابق، ولكنني أحب ان أختتم هذا المقال بهذا السؤال: هل يختلف إنشاء الجامعات الرسمية في الأردن عن ترفيع المدارس الإعدادية إلى مدارس ثانوية؟!!!. لقد تحدثت وغيري عن ذلك ونشرته عدة مرات ولكنهم لم يلتفتوا إليه لأنه يأتي أفقياً أو من تحت لا من فوق.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock