أفكار ومواقف

نقل المومياوات الملكية …أكثر من مجرد موكب

نقلت مصر جزءا من تاريخها في الثاني من شهر نيسان الحالي ممثلا في اثنين وعشرين ملكا وملكة من المتحف القومي في التحرير إلى متحف الحضارة القومي في الفسطاط في القاهرة.
قد يتم النظر إلى هذا الحدث بصورة أكبر من باب الترويج السياحي لمصر ولحضارتها الخالدة، وتفعيل حالة من الاستقطاب السياحي خاصة في ظل جمود أو ضعف في قطاع السياحة عم العالم أجمع وأثر على الناتج القومي للدول، خاصة بالنسبة لدولة كمصر الشقيقة تعتمد السياحة كمصدر أساسي لهذا الدخل.
المشهد الآخر والصورة الأوسع دروس مستفادة من هذه الاحتفالية العظيمة بعظمة التاريخ والحضارة الشاهدة عليهما:
أولا: يعد نقل اثنين وعشرين ملكا وملكة من ملوك مصر في الحضارة الفرعونية إلى متحف الحضارة المصري هو المحطة الأخيرة أو الرحلة الأخيرة في مسيرة تنقلهم؛ حيث أن هذه المومياوات- وحسب ما أشار إليه وزير السياحة المصري خلال الاحتفالية- تعرضت عبر التاريخ لتنقلات عدة بدأت أولاها خلال عصور الضعف حيث تم تجميعهم ووضعهم في خبيئتين في الجبل غرب منطقة الأقصر. وبعيدا عن هذه التفاصيل التاريخية المهمة إلا ان التجاوز على المكتسبات الحضارية لأي مرحلة أو فترة تاريخية دائما ما كانت ترتبط بحالة الضعف والهشاشة؛ وحالة الضعف هذه هي حالة لا تقتصر على المفهوم الضيق المتمثل في الضعف العسكري أو المادي، وإنما يمتد في مضامينه العميقة إلى حالة الهشاشة والضعف الفكري والعلمي والثقافي والسياسي التي تقود بالنتيجة إلى خلق عقل جمعي يعوزه الوعي والإدراك المتأصل بقيمة مخرجات الحضارات الإنسانية أيا كانت، بل يعمل على زعزعتها والاعتداء عليها باعتبار ذلك مكسبا أو انتصارا وهميا بطبيعة الحال.
ثانيا: مفاهيم العدالة والمساواة كانت حاضرة في الثقافة المصرية الفرعونية وفقا للمنظور السائد آنذاك، و(ماعت) هي الكلمة التي تعني العدالة في اللغة الفرعونية كان لها آلهة خاصة ترمز للحق والعدل والخلق الطيب والنظام. وفي النقوش الفرعونية القديمة وجد ما يشير إلى أنّ الدولة موجودة لتحقيق العدل، وان العدل يجب ان يتحقق ليصبح العالم قابلا للسكنى. ما سبق يذكرنا بانّ نشوء الحضارات القوية دائما ما كان موصولا بفكرة العدالة والحق، وأن الدول تنهض بقوة قيمها، وضعفها يبدأ باختلال هذه المفاهيم في أرجائها. ما كان للحضارة الفرعونية أن تستمر حتى اليوم لولا أنها في يوم ما قامت على قيم لا تفنى ولا تزول.
ثالثا: عظمة الفن تُظهر عظمة التاريخ، فالفنون سبيل لإيصال الفكرة، فكرة الحضارة ومكتسباتها والتعبير عنها، ما شهدناه في موكب المومياوات الملكية بصورة مجردة هو روح الجمال والفن تتجسد على الأرض. الفنون هي روح الحضارة ونفس الشعوب والحلقة المشتركة بين الإنسان أينما حل وارتحل إذا ما وظفت في أبهى صورها خدمة لقيم عليا وإعلاء لمكتسبات الوطن ووسيلة لجعل الأجيال الحاضرة والقادمة تلتفت إلى الجمال والحضارة والقدرات المكتنزة داخلها.
ما شهدناه أثناء احتفالية نقل المومياوات الملكية في قلب القاهرة، عاصمة مصر هو أكثر من مجرد موكب وحدث عالمي، هو دروس إنسانية وحلقة وصلت بين حضارة وتاريخ ممتد وبين أجيال تتعطش لرؤية ومعرفة مكنونات هذا التاريخ وهذه الحضارة.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock