اقتصادتحليل إقتصادي

نلوم الصندوق واللوم علينا!

جواد جلال عباسي

عمان- يتعرض هذا التحليل للمالية العامة في الفترة (2003 و2010 )، باختيار مقصود للسنوات. لقد كانت 2003 ،آخر سنة للحكومة الأردنية مع برنامج صندوق النقد الدولي بعد الازمة الكبيرة الأولى في 1989 -(آخر مراجعة حصلت في بداية 2004)-، قبل ان نحتاج العودة لبرنامج جديد. و2010 كانت آخر سنة قبل دخول موجة الربيع العربي وانقطاعات الغاز المصري في 2011 وما بعدها. أيضا سنة 2003 كانت سنة فارقة بالاحتلال الأميركي للعراق وتأثيرها الكبير على الاقتصاد الأردني من ناحية انتهاء تزويد الأردن بالنفط الخام العراقي بأسعار ميسرة.
في 2003 بلغت الإيرادات المحلية للحكومة المركزية 1675 مليون دينار. مدفوعة بالنمو الاقتصادي القوي اذ ارتفعت هذه الإيرادات المحلية في الاعوام 2004 و2005 و2006 و2007 و2008 بـ471 و415 و601 و463 و747 مليون دينار على التوالي. حيث بلغت الإيرادات المحلية العام 2008 4375 مليون دينار أردني مقابل 1675 مليون دينار أردني في 2003. ثم انخفضت الإيرادات المحلية العام 2009 بـ188 مليون دينار وعادت وارتفعت بـ 73 مليون دينار العام 2010. أي ان مجمل الإيرادات المحلية بلغ 24327 مليون دينار بين 2004 و2010.
اما النفقات الجارية للحكومة الأردنية فقد وصلت في 2003 الى 1975 مليون دينار. ارتفعت هذه النفقات الجارية في 2004 و2005 و2006
و2007 و 2008 و 2009 و2010 بـ 335 و160 و 596 و 631 و 775
و112 و 160 مليون دينار على التوالي. حيث بلغت النفقات الجارية العام 2010 4746 مليون دينار مقابل 1975 مليون دينار العام 2003. ووصل اجمالي النفقات الجارية بين 2004 و2010 الى 25349 مليون دينار.
تلخيصا، نفقات الحكومات المتعاقبة الجارية بين 2004 و2010 ، زادت بأكثر من 13 مليار دينار أردني على نفقاتها بين 1997 و2003. لنركز على نقطة انها كلها كانت نفقات جارية: هذه ليست نفقات رأسمالية ذهبت في انشاء مستشفيات أو مدارس أو سدود أو طرق أو مطارات أو سكك حديد أو شبكات نقل عام أو مشاريع طاقة وغيرها من الاستثمارات في البنى التحتية المهمة. بل هي نفقات جارية اذا دققنا فيها سنراها توسعا في المنافع والرواتب والتقاعد ونفقات الرفاهية وهدر وتوسع في النفقات الجارية على كل المستويات. مثلا رواتب الحكومة المركزية ارتفعت من 442 مليون دينار العام 2003 الى اكثر من مليار دينار في 2011.
ولمزيد من التوضيح، ما بين 2004 و2010 زادت الايرادات المحلية للحكومة 12.5 مليار دينار على مستواها في 2003. وفي ذات الفترة زادت النفقات الجارية للحكومة بأكثر من 13 مليار دينار. نفقات ومصاريف جارية لا مشاريع رأسمالية تنموية. وههنا نسأل السؤال المهم: هل شعر الأردنيون بأي فرق بين حكومة العام 2003 بنفقاتها الجارية ذات 1975 مليونا وبين حكومة 2010 التي صرفت 4746 مليون دينار نفقات جارية؟
ما السبب في ان الحكومات المتعاقبة انطلقت في هدر كل زيادة في الإيرادات المحلية في نفقات جارية غير تنموية في سنوات نمو اقتصادي ممتاز وزيادة مطردة في الإيرادات الضريبية؟
في 2003 تعرض الأردن لصدمة انقطاع شريان الطاقة العراقي الرخيص الذي اعتمدنا عليه لأكثر من 15 سنة. لما لم نتعلم من هذه الصدمة في سنوات النمو الاقتصادي القوي لضمان الا يكون اعتمادنا على أنبوب الغاز المصري بدون خطة بديلة فيما لو حصل أي انقطاع فيه؟ مثل ميناء الغاز المسال الذي أتى بعد صدمة الربيع العربي وانقطاع الغاز المصري.
في هذا المثال سيقول كثيرون هذه حكمة بأثر رجعي. حسنا. لماذا إذن لم نر تنفيذا لمشاريع بنية تحتية وطنية مهمة جدا لكفاءة الاقتصاد في وقت الازدياد المطرد في الإيرادات المحلية بواقع 12 مليارا في ست سنوات؟ لماذا لم ننشئ سكة الحديد الوطنية لنقل النفط الخام والبضائع بين العقبة وعمان والزرقاء والموجودة ضمن الخطط الوطنية منذ السبعينيات؟ والتي كانت ستنقذ عشرات الأرواح على الطريق الصحراوي ومئات ملايين صرفت على صيانة الصحراوي بدون جدوى حيث يتدمر الطريق كل عدة سنوات بسبب الحمولات الكبيرة عليه.
لم لم نطور محطة الكهرباء بالصخر الزيتي الذي نتحدث عن تطويره منذ الثمانينيات؟ لم لم نبن سد كفرنجة الموجودة خططه منذ عقود وانتظرنا المنحة الخليجية له في 2018؟ لمَ لمْ نستثمر في القطار الخفيف بين الزرقاء وعمان اهم شريان نقل في المملكة أو الباص السريع أو خط مترو في عمان؟ لم لم يتم انشاء مستودعات تخزين استراتيجية للمشتقات النفطية التي أيضا كانت موجودة في خطط الوزارات منذ عقود؟
كيف اهدرنا فوائض الإيرادات المحلية في نفقات جارية جلها رواتب مهدورة أساسها وتسكين المشاكل بدلا من حلها؟ كيف صرفنا 13 مليار دينار في نفقات جارية كانت تكفي لإنشاء مشاريع بنى تحتية تنموية تزيد من فعالية الاقتصاد بشكل ممتاز؟
حجم نفقات الحكومة الجارية يرتفع بنسبة سنوية مركبة تتجاوز ثلاثة اضعاف نسبة النمو الحقيقي في الاقتصاد بين 2004 و2010.
عد إلى عنوان هذا المقال. يجب ان نتذكر ان سنوات 2004 الى 2010 كانت خالية تماما من أي ضغوطات من صندوق النقد. كانت كلها قرارات محلية بامتياز. والهدر الهائل الذي حصل فيها تتحمله حصرا الحكومات الأردنية المتعاقبة. أعتقد جازما اننا جميعا يجب ان نمحص في السياسة المالية في سنوات 2004 الى 2010 والفرص المهدورة لكي نتعلم من اخطائنا. لأني حقا لا اعلم أي نصيحة من صندوق النقد أو البنك الدولي تقول للحكومات ان نفقاتها الجارية يجب ان تنمو بنسب اكثر من النمو الحقيقي في الاقتصاد. بينما أصرت حكوماتنا الرشيدة ان تزيد الانفاق الجاري سنويا بثلاثة اضعاف نسبة نمو الاقتصاد بين 2004 و2010 واصرت ان تتناسى كل مشاريع البنى التحتية والطاقة المهمة واصرت ان تنام بالعسل وتهدر كل زيادة في الايراد المحلي.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock