آخر الأخبار حياتناحياتنا

نهال عقيل: الإبداع الحقيقي دلالة لعثور المرء على ذاته

صدور رواية "راكين" لناقدة أردنية

عزيزة علي

عمان– صدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، رواية “راكين”، للناقدة الأردنية د. نهال عقيل.
وفي هذا العمل، ترصد عقيل التحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتكنولوجية التي طرأت على المجتمع الأردني، وكيف غيرت هذه التحولات بنيته المجتمعية.
تدور أحداث الرواية بين الكرك وعمّان، وتتشابك عوالم أبطالها بين الحب والثقافة والفن والتاريخ والسياسة والدين، إلى جانب عدد من الإسقاطات على الصعيد السياسي والإنساني والديني. كما تفيض الرواية بعالم يعجّ بالفقر والفساد.
التقت “الغد” الكاتبة التي تحدثت عن سبب اختيارها هذا العنوان، ولما يرمز، حيث قالت: “راكين، هي قرية أردنية تقع جنوبي المملكة. وتاريخيًا جاءت تسميتها نسبة للأميرة راشين التي عاشت وسكنت فيها”. تقع راكين على الطريق الملوكي القديم، وتعدّ هذه القرية، جغرافيًا، أعلى المناطق في الكرك، وهي واجهة واسعة مطلة على البحر الميّت، وتلّقب بـ “أميرة السهول الخصبة”. كل هذه الأسباب مجتمعة جعلتها الرمز لشخصية روائية من صنع أحداث الرواية نفسها بالطبع.
وتضيف عقيل، أن بنية الرواية تقوم على نتاج علاقة ابن الجنوب وفتاة المدينة. وهي شخصية لفتاة طموحة، أكملت دراستها الجامعية، ثم وجدت نفسها في مواجهة مع البطالة، والمجتمع الذكوري، والحالة الاقتصادية الصعبة. وهكذا، راحت تواجه الظروف القاسية عبر انتقالها من تجربة عمل فاشلة إلى أخرى، حتى كانت محاولتها الأخيرة في تأدية دور مسرحي في مسرحية بعنوان “المتسوّلة”. تزخر الرواية بالكثير من المعلومات التاريخية والفنية والثقافية والتراثية، مع محاولة لمحاكاة الواقع وتصوريه.
وترى عقيل أن الرواية تحمل محمولات غنية، بملامح وتفاصيل تاريخية وتراثية، البطل هنا، أو الراوي، هو ابن الجنوب المثقف الذي حمل على عاتقه هموم الواقع لنقده وتغييره للأفضل. هذا الواقع هو انعكاس آخر لهزّات تاريخية وسياسية كبيرة مرّ بها الأردن والمنطقة العربية برمتها، بدءًا من هزيمة حزيران( يونيو) 1967، ومرورًا بدخول العراق إلى الكويت في العام 1990، “حرب الخليج”، وصولًا إلى انتشار وباء كورونا، جميع هذه الأحداث التي جرت في المنطقة العربية أثرت فيها وعايشها الموطن وتأثر بها سياسيًا وتاريخيًا واقتصاديًا أينما وُجد.
وتقدم الرواية شخصية المثقف “محمد”، الذي هو بمنزلة ذاكرة تاريخ يتلاقى مع واقع أكثر قسوة، واقع فرضته ظروف اقتصادية وتكنولوجية واجتماعية. ولابد من الإشارة في هذا السياق إلى أن شخصية “محمد” وشخصية صاحب مكتبة الجاحظ يمثّلان نموذج البطل التراجيدي حين يواجهان الفساد والفقر جنبًا إلى جنب مع سعة اطلاع وثقافة عاجزة عن تغيير شيء في هذا الواقع، وعاجزة عن تسيير عجلة الحياة نحو النجاة، مشددة على أن “راكين” تمثل إشارة إلى الظروف السابقة لظهور وباء كورونا، وليست ناجمة عنه.
وعما تحمله “راكين” من إشكاليات كثيرة تتعلّق بالذات الإنسانية وعلاقة المرأة بالرجل، والمدينة بالقرية. وكذلك الفقر وعلاقته بالفساد، وأزمة الإنسان المثقف، وإشكاليات أخرى كثيرة، تقول عقيل ان الرواية أشبه بالمرآة التي تعكس واقعًا مملوءا بالحدّة وسوء الفهم بين أطراف متعدّدة؛ بين محمد وزوجته خديجة، وبين محمد وصديقه، وبين عائشة ونفسها ومحمد، وبين المجتمع ومؤسسات الدولة. ومن خلال تصاعد وتيرة الأحداث بكل تفاصيلها وإشاراتها القريبة والبعيدة، يتضح حجم الأزمة ووقعها المأساوي على الشعب برمته، بمعنى آخر، حجم الخارج بقوته وتأثيره في الداخل، كما حصل في شخصية “قاسم” ونهايته المأساوية، الانتحار. أي أن رد الفعل الخارجي هو الأساس والسبب الحقيقي الذي تنطوي عليه مصائر الشخصيات ومأساتها كما تشير الرواية، لذلك هي تحمل إشكاليات كثيرة على صعيد الإنسان والمجتمع والثقافة والسياسة والدين، فتلك هي وظيفة الأدب عامة والرواية خاصة.
وتوضح عقيل ان عنصر الطبيعة “المطر” أدى دورًا مهمًا في الرواية، حيث غلبت على النص الروائي الأجواء الماطرة؛ فكيف فهم القارئ ظاهرة المطر؟ تقول إن المطر في هذا الرواية هو نتيجة علاقة حميمية واتصال مباشر وحب للمكان والإنسان، وهو رغبة وتوق شديدان لخلق توازن أمام طوفان الحاضر والظروف الصعبة التي عاشتها شخوص الرواية، وفي مواجهتها أيضًا طوفان العالم، بما فيه من سلع وسلوكات وانجذاب لقيم ومفاهيم مجتمعية جلبتها التكنولوجيا والتغيّرات الاقتصادية والتحديات، فإحدى صور العلاقة بين محمد وعائشة هي افتراضية أيضًا، وانتحار الشاعر قاسم هو تعبير عن أزمة ثقافية واقتصادية، وهو رفض شديد لأزمات اقتصادية وسياسية حدثت في الواقع.
بطل الرواية “محمد”، هو قارئ ومثقف يمثل جيلًا كان وما يزال على صلة وثيقة بالطبيعة، أكثر من الجيل الذي يمثله “قاسم” و”عائشة”، فالمطر بكل تجلياته في الرواية قد يقرأ بوصفه الحنين إلى عالم بدأ يتراجع ويتلاشى ويندثر، دون أن يقوم على أنقاضه، أو بديلًا منه، عالم أفضل منه، فالمطر في “راكين” محاولة مستمرة للتفسير أكثر مما هي محاولة للتبرير.
وحول انتحار الشاعر في الرواية، إذ يرمز إلى انتحار المثقف، تبين عقيل أن انتحار المثقف في هذه الرواية يرمز إلى العجر الذي يشعر به هذا المثقف تجاه الواقع الذي يحوطه، فالواقع متخمٌ بالفقر والفساد والقمع، والكلمة لم يعد لها دورٌ في التأثير والتغيير، هكذا وجد الشاعر نفسه في معركة الحياة وحيدًا وعاجزًا، فاختار مجابهته بموت أشدّ قسوة وهو الانتحار.
وتتحدث عقيل عن الاهتمام بالموروث والحكايات والأمثال العربية المحلية التي هي تأصيل لهويّة المكانية والشخصيّة الأردنية، فتقول: “لا يمكن صياغة شخصيّة البطل، وهو من الجنوب، بمنأى عن الموروث الشعبي الذي يعد كنزًا لا ينضب. فهو يضفي جمالية وعمقًا وهوّية مكانية وزمانية وإنسانية. وكان استخدامي لهذا الموروث في الرواية تحديًا بالنسبة لي؛ من حيث كيفية استخدامه، والاستفادة منه في بناء معمار الرواية، وتشييد شخصية محمد وخديجة وملامحهما بأكثر ما يكون، فأحداث الرواية تدور بشكل كبير في مدينة الكرك”.
وتلفت عقيل الى أنها بذلت مجهودًا في البحث والتنقيب عن هذا الموروث، فكانت مغامرة صعبة، تطلبت الكثير من القراءة والاطلاع والتراكم والتجريب والبحث والمحاولة والفشل. فالموروث من “غناء للدحية وأشعار وأمثال وحوار بالعامية”، شكّلت في الرواية روح المكان وعبقه، أكثر مما هو إحياء لذاكرة أو استعادة لها.
وفي سؤال عقيل عن ممارستها النقد في نصها تقول: “نقد الكاتب لعمله الروائي خطوة مهمة جدًا لا بدّ منها، فالرواية عمل شاق، قد يصل فيه الكاتب أحيانًا إلى طريق مسدود، فلا يجد طريقًا واضحًا لإعادة صوغ الأحداث وربطها في عمل متكامل شكلًا ومضمونًا. لذا، لا بدّ من التوقف، وإعادة النظر مجدّدًا في الصورة اللازمة لنقل الواقع وفهم آليته، وكذلك فهم العوامل المؤثرة في هذا الواقع وفي طموحاته وآماله بطريقة موازية لأوجاعه وآلامه”.
وتوضح عقيل أن النقد الذاتي الذي يمارسه الروائي أمر مهم؛ “إنه قدرة الكاتب المستمّرة على السيطرة الكاملة أثناء الكتابة، وهو الوعي اللازم لعامل أساسي يتعلق بعمليتي الجذب والنفي، والبناء والهدم. فالنقد الذاتي والحلم يمثلان البوصلة التي يقتحم بها الروائي الضباب لاستكشاف الواقع واستشفاف صورة محتملة للمستقبل”.
وحول كتابة الرواية وهل هي صنعة لها قوانينها وشروطها أم أنها موهبة، تقول عقيل: “إن الموهبة ضرورية في كتابة العمل الروائي وغيره من الفنون، فالموهوب شخص قادر على الحلم، والحلم أمضى الأسلحة في حرب المستقبل. لذا، فهي ضرورية جدًا وأداة مهمة للتفاؤل والتغيير”. أما عن وجود قوانين وشروط لكتابة الرواية، فتقول: “نعم، ويمكن للموهوب امتلاكها بالقراءة والاطلاع على الثقافات المختلفة. والفرق بين الموهبة المثقّفة والصنعة المثقّفة هو أثر الدهشة التي يتركها العمل الروائي في أذهان القرّاء”.
درست عقيل اللغة العربية في جامعة اليرموك، وصدرت لها كتب نقدية، فهل كان لتخصص اللغة العربية علاقة في إغراء كتابة الرواية؟ تجيب عقيل: صدر لي كتابان، الاول بعنوان :”الآخر في الخطاب الروائي النسوي العربي”، والآخر بعنوان: “القدس في الخطاب الشعري العربي والعبري الحديث”، وهذا أول عمل روائي لي. لقد استفدت من تخصصي في اللغة العربية معرفيًا وثقافيًا، بصورته العلمية المنظمة والمنقحة والواعية بالطبع، لكن هذا لا يعني أن كتابة الرواية تشترط التخصص أبدًا”.
وتبين عقيل أن شرط الرواية هو الثقافة الواسعة، والوعي اللازم، والموهبة التي تصقلها الدربة، ثم تضيف: “كتابة الرواية كانت بالنسبة لي حلم منذ كنت فتاة في الثانية عشرة من عمري، ومن خلال راكين، أستطيع أن أقول إنني تمّكنت من تجاوز أصعب خطوة في الكتابة، فالكتابة الحقيقية أو الإبداع الحقيقي هو الذي يشعر المرء من خلاله بأنه عثر على نفسه، أو التقاها فجأة بعد سفر في الكتابة طويل. إنه فعل الكتابة الذي يلمس الأعماق، تلك الخطوة التي يتملكك فيها شعور بأنك شيّدت عالمًا جديدًا مدهشًا ومختلفًا”.
وتشير عقيل إلى الكتّاب الذين تأثرت بهم فتقول: هم كثيرون من أعلام الفكر والأدب العربي والغربي على حد سواء، وكان اهتمامي على نحو مبكر بالشعر والفلسفة، خصوصًا شعراء المهجر مثل جبران خليل جبران، وإيليا أبو ماضي، والأخطل الصغير. كما أني معجبة بالشعر الجاهلي برمته، الذي يتمتّع بموسيقى عجيبة جدًا. والشاعر العراقي بدر شاكر السيّاب، الذي أفادتني حساسيته اللغوية العالية وتجديده في القصيدة، وشغلتني الفلسفة اليونانية والأساطير، ثم تعرّفت إلى أعمال جبرا إبراهيم جبرا الروائية والنقدية والمترجمة، التي قرأتها جميعًا، وتأثرت جدًا برائعة الروائي السوداني الطيب صالح، “موسم الهجرة إلى الشمال”. هذا على سبيل المثال وليس الحصر.
يذكر أن د.عقيل ناقدة وروائية أردنية، تعمل في جامعة الإمام عبد الرحمن بن فيصل– الدمّام، وحصلت على درجة الدكتوراه في الأدب والنقد العام 2012، من جامعة اليرموك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock