أفكار ومواقف

نهاية الحرية باسم الحرية

يرى المفكر المستقبلي جاك أتالي العالم في العام 2050 شديد التناقض، لكن ستتكون رؤى واضحة جديدة للعالم نحو المساواة، ففي هذا التطور المتواصل للعلوم والتقنية سيكون في مقدور الإنسان أن يرتقي بذاته، لكنها نتيجة ليست تلقائية ولا مباشرة، فالتقنية تغري أيضا بالسيطرة والصراع، إذ ستبدأ التقنية بالمراقبة على الأفراد والسلع والحدود والخصوم والأصدقاء، لكن سيطلق الإنسان من هذه الحالة اتجاها جديدا للارتقاء. وقد تؤدي التكنولوجيا الحيوية وأنظمة الاستنساخ والمعالجة الجينية إلى اتجاهات مفتوحة وغامضة في تطوير الإنسان وسلوكه، وربما يكون متاحا ومتقبلا تقنيا وقانونيا إنتاج “إنسان تحت الطلب” بحيث تكون الأجنة والأجيال الجديدة ناشئة عن تصميم مسبق للمواصفات الجسدية والذكاء والضمير والتفكير والسلوك الاجتماعي والأخلاقي، وقد يطول عمر الإنسان ويظل في مقدوره مع تقدم السن الاحتفاظ بقوته وحيويته، وربما لن يموت! لكنه أيضا يتحول على نحو من الأنحاء إلى سلعة أو منتج صناعي، لكن مرجح إن لم يكن مؤكدا أن القوى الإيجابية ستقاوم هذا الاحتمال أو الاتجاه، وربما يكون في هذه المقاومة بداية لعصر إنساني جديد أكثر مساواة.
ربما يكون ما نشهده اليوم من تطور في الصراع والعنف والحروب مؤشرا لما نخمنه في المستقبل، فطائرات الـ “درون” تتحرك وتقاتل وتصور وتنقل بكفاءة عالية، وفي ذلك فإنها تغير معنى الصراع والجيوش والأسلحة والعلاقات الدولية، فمن يملك الـ “درون” اليوم يمكنه أن يرجح كفة الصراع، إذ يمكن أن تتعرض الدول والجماعات المعادية إلى عدد غير محدود من المقاتلات، ويمكن أن تتضاءل في حجمها مع احتفاظها بقوتها وتأثيرها، وكما فاجأت أوروبا العالم بأسلحتها وتقنياتها العسكرية في الحرب العالمية الأولى فقد تفاجئ الدول الصناعية الكبرى بعضها بعضا أو العالم بأسلحة وتقنيات جديدة لا يعرف من لا يملكها حيلة تجاهها، ويتكرر على نحو آخر مشهد مواجهة الطائرات بالسيوف!!
يبدو المشهد اليوم معاكسا لما كان عليه في نهاية الثمانينيات عندما انهار الاتحاد السوفييتي ومعه المنظومة الشيوعية المواجهة للرأسمالية، فلم يعد العالم أكثر أمانا! فقد كان الاتحاد السوفييتي برغم خطورة الصراع ضابطا للأمان العالمي، ويبدو العالم أكثر خطرا بعد انتهاء الخطر السوفييتي! لكن يبدو أن الصين تصعد لتكون قوة عظمى وتكون أيضا التحدي رقم 1 للولايات المتحدة، وستكون كوريا الشمالية ذراعها المخيفة، لكن هل تواصل اليابان التي تمتلك التكنولوجيا المتقدمة عزلتها وعزوفها عن دور قيادي في العالم؟ يبدو منطقيا أنها ستعيد تسليح نفسها وتنظيم تحالفات جديدة إضافية مع إندونيسيا وماليزيا وربما كوريا الجنوبية وأستراليا، وفي الوقت نفسه فإن الهند تتطلع إلى تطوير نفوذها ليشمل جنوب آسيا (باكستان وبنغلاديش وأفغانستان وسري لانكا ومالديف) وفي عالم الإسلام في غرب آسيا هناك ثلاث دول مرشحة للتأثير؛ هي إيران وتركيا ومصر.
تبدو إيران وكأنها انزلقت إلى حرب يفترض أنها لا تريدها، أو أنها استدرجت نفسها إلى نفوذ يفوق قدرتها على حمايته، وبطبيعة الحال يهدد الدول المجاورة ويستفز الولايات المتحدة وأوروبا، ففي امتدادها إلى العراق وسورية ولبنان واليمن وأفغانستان حولت نفسها إلى خصم لكثير من الدول والقوى العالمية والإقليمية، لكن ربما لم يفت الأوان لإعادة تنظيم علاقات النفوذ في الإقليم على نحو يرضي جميع الدول والقوى المشاركة، أعني بالضرورة انسحاب إيران من جميع الدول التي صدرت إليها ثورتها وأيديولوجيتها لتعود كما كانت قبل العام 1979 مع الاعتراف بمصالحها وحقوقها كدولة مهمة وشريكة في السياسة والأسواق العالمية.
هكذا فإن الأزمة الإيرانية تبدو اليوم نقطة على مفترق طرق أو اتجاهات عدة، بداية لسلام عالمي وإقليمي جديد؛ أو بداية لصراع عالمي جارف ومدمر!

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock