أفكار ومواقف

نهاية الدولة الريعية: ملامح من الارتجال السياسي والإداري

المعلومات التي قدمها رئيس الوزراء الأسبق، الدكتور فايز الطراونة، في محاضرة له الأسبوع الماضي حول حجم التهرب الضريبي في الأردن يجب أن لا تمر هكذا دون نقاش وطني جريء، في الوقت الذي يتحدث فيه الرسميون عن انتهاء مرحلة الدولة الريعية، والتحول نحو الاعتماد على الذات عبر سلسلة من السياسات الانتقائية، التي لم تشمل إلا رفع أسعار المشتقات النفطية، وما تبعها من تداعيات نالت أسعار مئات السلع والخدمات. بمعنى أن العمق الاجتماعي الأردني، وقاعدته العريضة من محدودي الدخل والفقراء، هم الذين يدفعون من جيوبهم الفارغة فاتورة سداد الريع، ويطلب منهم توفير الغطاء الاجتماعي والسياسي لمرحلة جديدة، أهم ملامحها تقليل الاعتماد على الخارج.


يصل حجم التهرب الضريبي في الأردن، حسب الأرقام التي أوردها الدكتور الطراونة، إلى 600 مليون دينار، أما مجموع ما يستوفى من الضرائب فلا يزيد على 200 مليون دينار، في حين أن إجمالي الدخل الوطني الأردني يبلغ نحو 8 مليارات دينار. وهذه الأرقام الضائعة من الاقتصاد الوطني لا تفسر الحلقة الضائعة في تضخم حجم الفاتورة النفطية، وقوة تأثيرها على الواقع الاجتماعي الأردني في زمن المساعدات والمنح الدولية، بل يتعدى ذلك إلى الإجابة عن جانب كبير من أسئلة التنمية، أهمها حجم المديونية الخارجية وطرق إدارتها.


تعني نهاية الدولة الريعية عودة الدولة إلى الاعتماد على جيوب مواطنيها. ويوفر النظام الضريبي الضمان الأول لاستقرار أحوال الدولة، والتقليل من حدة تقلص دورها الاجتماعي في ظل هيمنة آليات السوق وفرزها الاجتماعي الذي يطحن الأخضر واليابس ولا يرحم أحدا. وإذا ما عدنا للنظر في الأرقام الأردنية، فان 75% من الدخل الضريبي ضائع ولا تستوفيه الدولة، في حين أن الدخل الضريبي الوحيد المضمون هو الذي يستوفى مما تبقى من هوامش الطبقة الوسطى، أولئك الذين يقتطع من دخلهم، المتأتي على شكل رواتب، ضرائب تذهب إلى الخزينة مباشرة.


نتساءل دوما عن أسرار الحلقة الضائعة في التنمية الوطنية، وهل أن الفقر بالفعل لا ينتج إلا فقرا، كما تقول أدبيات الموجة الجديدة من النظريات التنموية، التي تحيل الأزمة التاريخية للمجتمعات النامية إلى أسباب داخلية محضة في اغلب الأوقات، حيث التراكم الكمي الذي لا يقوى على التحول النوعي؟ فالتخلف ينتج المزيد من التخلف، والفساد يأتي بالمزيد من الفساد، وهكذا تبدو ثمة جهود وآلة ضخمة تسمى التنمية تطحن ولا نرى طحينا منها، أي لا يشعر الناس المستهدفون بخطط التنمية وبرامجها بنتائج ملموسة تنعكس على نوعية حياتهم، في الوقت الذي تتسع فيه قاعدة الفقراء والعاطلين عن العمل، ويزداد ثراء فئات محدودة، لها الحق في الثراء إذا ما اجتهدت والتزمت بالقوانين. إلا ان جيوب الثراء الأسطوري لدى فئات محدودة هي في حقيقة الأمر، وكما يتضح ذلك من أرقام التهرب الضريبي، دشنت على حساب الدولة الأردنية ومستقبل أجيالها القادمة.


لا يمكن فهم بيئة التهرب الضريبي، وما يرتبط بها من فساد يضرب بجذوره في أعماق القطاعين العام والخاص، إذا ما ذهبنا مع ما يؤكده رئيس الوزراء الحالي بأن الفساد لدينا إداري وليس مالياً، إلا بفهم نسق السياسات المشوهة التي وفرت الظروف المؤاتية لهذه البيئة، واهمها الارتجال السياسي والإداري، وافتقاد كل من المساءلة وثبات الإجراءات الرادعة واستقرار التشريعات واستقامتها على جميع أفراد المجتمع.


لسنوات قليلة خلت، كنا نشاهد كيف يلاحق مأمور الضريبة تاجرا صغيرا، أي صاحب دكان في قرية أردنية، ليتأكد من سلامة ودقة أرقام كشف التقدير الذاتي، ويُجلب بإنذارات متكررة إلى الدائرة المركزية في مركز المحافظة، ويخضع لتحقيق يطول ولا ينتهي، في الوقت الذي لا تحرك الدوائر المركزية في العاصمة ساكنا حيال مئات قضايا الفساد، أوضحها التلاعب بالضرائب، وما يرافق ذلك من ابتداع أساليب لا حصر لها، لعل آخرها الحصول على امتيازات قانونية وضريبية باسم تنمية المناطق الأقل رعاية واقامة مشاريع فيها، وبعد تحقيق المراد يتكشف الأمر بان تلك المشاريع وهمية ولا أساس لها، وما هي إلا أساليب للتحايل والحصول على المزيد من الامتيازات والتسهيلات والإعفاءات.


لا بد من الاعتراف بان الارتجال السياسي والإداري هو شكل من أشكال الفساد، وهو الذي يوفر الظروف الملائمة لسرقة الدولة وهدر مواردها. وستثبت المرحلة القادمة مدى جدية مقولات الاعتماد على الذات، والتي ستكشف حجم الارتجال في السياسة والإدارة. إذ أدت التحولات الاقتصادية والسياسية، خلال عقدين من الزمن، إلى بروز حالة من الانسحاب الشعبي واللامبالاة تجاه كل ما هو عام، في ظل تعاظم قيم الانتهازية السياسية والاجتماعية، وتراجع الدولة عن التزاماتها الاجتماعية، مما جعل حالة الارتجال حاضنة أساسية لأشكال متعددة من الفساد، او على اقل تقدير أضعفت قدرة مؤسسات الدولة على محاربة الفساد والحد منه.


والارتجال السياسي والإداري لدينا ذو ثلاثة أبعاد أساسية؛، أولها إداري يبدو في مزاجية القرارات، وافتقادها أحيانا إلى الحد الأدنى من الموضوعية. وهي قرارات يتخذها أفراد بمعزل عن المحددات الاجتماعية والاقتصادية والأطر المؤسسية، وفي ضوء عدم توازن الصلاحيات، وبالتالي فهي إما أن تكون واسعة لا حدود لها، أو ضيقة إلى ابعد الحدود. أما البعد الثاني فمؤسسي، يتمثل في الكثير من التفاعلات التي تتم خارج الأطر الرسمية والشرعية، مما يفتح الباب أمام ترويج المصالح الشخصية والخاصة والفئوية وتبادلها تحت ستار من الشرعية. ومخرجات هذا الأمر واضحة في عدم استقرار السياسات والخطط، وتبدلها وتغيرها بتغير الأشخاص، وافتقاد أدنى مستويات التنسيق بين المؤسسات؛ فكل مؤسسة تحيا وكأنها دولة بذاتها، ليتم في كل مرة إعادة اختراع الإدارة من جديد. أما البعد الثالث فتكشف عنه ترسانة من القوانين والتشريعات الإدارية، التي لا تخلو من الثغرات ومن التنازع أحيانا، والقابلة دوما للتبدل والتعديل.


مرحلة انتهاء الدولة الريعية، إذا لم تكن قد بدأت، فهي خيار وطني لا بد من التكيف معه، تتطلب قبل حملات العلاقات العامة الحكومية لتمرير رفع الأسعار، رفع شعار بسيط، يجد مساحة على ارض الواقع، يثبت حرص الحكومة على قدسية المال العام.


[email protected]

تعليق واحد

  1. نهاية الدولة الريعية
    مقال جيد ويعالج قضية تنموية هامة ويفسر جانب مهم من جوانب ضياع جهود التنمية في الاردن، اتمنى للغد وكتابها كل التوفيق.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock