ترجمات

نهاية اللعبة التركية في سورية: ما الذي يريده أردوغان

غونول تول* – (فورين أفيرز) 9/10/2019

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

في إعلان مذهل يوم الأحد، 6 تشرين الأول (أكتوبر)، أعطت إدارة ترامب موافقتها الضمنية على توغل عسكري تركي في شمال شرق سورية، وهي عملية سيترتب عليها اشتباك الأتراك مع حلفاء واشنطن الأكراد في المنطقة. و”لن يدعم” الجيش الأميركي، الذي لديه حوالي 1000 جندي في سورية، هذه “العملية أو يشارك فيها. لكن البيت الأبيض قال إنه سيسحب القوات الأميركية المتمركزة بالقرب من الحدود السورية التركية لإفساح الطريق أمام قوات أنقرة.
في مواجهة رد فعل عنيف متشدد حتى بين الجمهوريين أنفسهم، بدا ترامب وكأنه يتراجع يوم الاثنين. لكن وحدات الجيش التركي كانت تقف على أهبة الاستعداد للشروع في توغلها على الحدود السورية، ومن غير المرجح أن تمنع واشنطن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من منح الضوء الأخضر لبدء العملية. ذلك لأن استراتيجية تركيا هي أكثر من مجرد تمرين في الجغرافيا السياسية -بالنسبة لأردوغان، فالحرب تمس بقاءه السياسي نفسه، لا أقل.
في واقع الأمر، طغت سياسة تركيا تجاه سورية لسنوات على طموح أردوغان إلى تعزيز حكم الرجل الواحد الذي يمارسه في الداخل. وقد دعمت تركيا المتمردين الإسلاميين ضد دمشق عندما كان ذلك يعزز أوراق اعتماد أردوغان الدينية في الداخل. وبعد أن أجبر التأييد الانتخابي الواهن والمتضائل أردوغان على عقد شراكة مع حزب معارض معاد للأكراد، تحول انتباهه إلى قتال القوات الكردية التي تعمل في سورية. وما يزال هذا الهدف قائماً حتى اليوم، إلا أنه يذهب إلى الظل ببطء بينما يطغى عليه مصدر قلق يبدو أنه أصبح أكثر إلحاحاً: التخلص من ملايين اللاجئين السوريين الذين شقوا طريقهم إلى تركيا على مر السنين، والذين أصبحوا يشكلون الآن عبئاً على أردوغان. أما إذا كان أي توغل عسكري كبير سيحل هذه المشاكل، فشأن غير مضمون. لكن أردوغان مصمم على المحاولة.
كل السياسة تركية في الأساس
تغيرت قواعد كتاب اللعب التركي في سورية تغييراً جذرياً منذ اندلاع الحرب الأهلية في العام 2011. كان أردوغان يرفرف عالياً في الوطن في ذلك الربيع، عندما خرج الناس أول الأمر إلى شوارع دمشق للاحتجاج على نظام الرئيس السوري بشار الأسد. كانت المعارضة العلمانية في حالة ركود، وكان من المقرر أن يبدأ أردوغان برنامجاً لإضفاء الطابع الإسلامي على نظام التعليم في البلاد. وأتاح الصراع الجاري عبر الحدود في سورية لأردوغان فرصة لتوسيع أجندته في اتجاه الخارج. وفي غضون أشهر، تخلت الحكومة التركية عن الأسد، الشريك الذي كان مقرباً في السابق، وشرعت في تسليح المتمردين الإسلاميين الذين يخوضون القتال ضد دمشق. وسرعان ما أصبحت تركيا مركزاً للمعارضة السورية في المنفى، وقناة للدفق المستمر من المقاتلين الجهاديين الأجانب الذين يشقون طريقهم إلى سورية.
وفي نهاية المطاف، غضت أنقرة الطرف عن أعضاء تنظيم الدولة الإسلامية (أو داعش)، الذين انسلوا إلى داخل البلد وإلى خارجه، والذين سعوا في بعض الأحيان إلى طلب العلاج الطبي هناك. وطوال كل هذه الفترة، فتحت تركيا حدودها لملايين اللاجئين الفارين من القتال في سورية، وبنت مخيمات مترامية الأطراف لاستيعاب الوافدين الجدد. وقال أردوغان أن هذه البادرة كانت باهظة الثمن، ولكنها عادلة أخلاقياً، وهي عمل من أعمال التعاطف والتضامن السني في وجه فظائع نظام الأسد. ولامس هذا السرد على وتراً لدى الجمهور، وظلت المعارضة لتدفق اللاجئين على تركيا صامتة نسبياً. وأخيراً، انتهى الأمر بتركيا وقد استضافت 3.6 مليون لاجئ سوري.
ومع ذلك، لم يكن القتال في سورية متمردين إسلاميين فحسب، وإنما شاركت فيه العديد من الميليشيات الكردية. وبالنسبة لأردوغان، كانت هذه أنباء سيئة. في العام 2015، فقد حزبه، العدالة والتنمية، أغلبيته البرلمانية لأول مرة منذ أكثر من عقد، فيما جاء في جزء منه إلى النجاح غير المتوقع الذي حققه حزب يمثل الأقلية الكردية في تركيا التي خاضت أجزاء منها عقوداً من نضالها الخاص وانخرطت في تمرد على مستوى منخفض في جنوب شرق البلاد. وللتمسك بالسلطة، أقام أردوغان تحالفاً مع حزب معارضة يميني متطرف معروف بمعارضته القوية للقومية الكردية. ووصلت عملية السلام الحكومية التي استمرت سنوات مع المسلحين الأكراد في الجنوب الشرقي إلى نهاية مفاجئة.
تغيرت أولويات أردوغان في سورية تبعاً لذلك. وتبدو أنقرة مصممة الآن على تثبيط الجهود الكردية لإقامة حكم ذاتي في المنطقة الممتدة على طول الحدود في جنوب شرق تركيا وشمال سورية. وبذلك، احتلت محاولات إسقاط الأسد من خلال الوكلاء الإسلاميين مقعداً خلفياً، وأخلت مكانها لمصدر القلق الأكثر إلحاحاً والمتمثل في حرمان الأكراد السوريين من منطقة متصلة تتمتع بالحكم الذاتي على طول الحدود مع تركيا. وهكذا، عمدت تركيا في حلب، آخر معقل للمتمردين السوريين، إلى تجنيد المتمردين الذين كانوا يقاتلون الأسد لمهاجمة القوات الكردية بدلاً من ذلك، مما جرد الثورة من بعض من قواها البشرية وسهل تقدم الجيش السوري الذي استعاد المدينة في العام 2016. وفي ذلك العام، أرسلت تركيا جيشها الخاص إلى شمال سورية في محاولة لاحتواء الميليشيات الكردية التي تعمل هناك.
بحلول العام 2017، كانت استدارة أردوغان قد اكتملت، وأصبحت أنقرة تعمل مع نظام الأسد وحلفائه. وفيما أثار جزع المعارضة السورية وخيّب أملها، وافقت تركيا وروسيا وإيران على إنشاء العديد مما تدعى مناطق نزع التصعيد. ومن الناحية النظرية، سيتعين على النظام والمعارضة في هذه المناطق احترام وقف محدود لإطلاق النار، لكن النظام حقق، في الممارسة العملية، مكاسب عسكرية من خلال خرق الهدنة بشكل متكرر، وغالباً بدعم روسي. وفي المقابل، أدارت دمشق وحلفاؤها وجوههم في الاتجاه الآخر عندما نفذت تركيا تدخلاً عسكرياً ثانياً في جيب عفرين الكردي في كانون الثاني (يناير) 2018.
عودوا إلى بلدكم
مثلما أدت مخاوف أردوغان المحلية بشأن الأكراد إلى تحول في أهدافه في سورية، كذلك فعلت المخاوف المحلية بشأن اللاجئين أيضاً. ويشعر الرئيس التركي بأن سياسة الباب المفتوح أصبحت عقبة داخلية تعترض مسيرته. وقد فقد حزبه السيطرة على جميع المدن الكبرى تقريباً في الانتخابات البلدية للعام 2019 -وهي ضربة هائلة لنظام المحسوبية على مستوى المدينة الذي بنى عليه أردوغان سلطته على مدى السنوات الخمس والعشرين الماضية. ومع أن هذه الهزائم المتكررة جاءت في جزء منها نتيجة للأزمة الاقتصادية المتفاقمة في البلد، فإنها عكست أيضاً استياءاً شعبياً متزايداً من اللاجئين السوريين الذين ما يزالون في البلد، والبالغ عددهم نحو 3.6 مليون لاجئ.
باعتبار أنه كان ذات مرة الراعي الشهم المعلن ذاتياً لكل المسلمين السنة، يريد أردوغان الآن أن يعود اللاجئون إلى وطنهم. وقد كثفت السلطات التركية عمليات تفتيش المنازل وتنفيذ الاعتقالات في صفوف اللاجئين السوريين. وحاولت الدولة إخراج اللاجئين من المدن الكبرى، وأنشأت الشرطة خطاً ساخناً لجمع المعلومات عن أولئك الذين يدخلون البلاد بطريقة غير قانونية. وبحسب ما ورد، تم ترحيل بعضهم إلى مدينة إدلب السورية، حتى بينما يشتد أوار القتال هناك.
سوف يكون إجبار مئات الآلاف، وربما الملايين من اللاجئين السوريين، على الخروج من البلد والعودة إلى منطقة حرب هي مهمة شبه مستحيلة، لكن أردوغان يعتقد بغير ذلك. وكان الحل الذي طرحه مؤخراً في خطاب ألقاه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، هو إنشاء منطقة عازلة كبيرة على طول الحدود السورية مع تركيا. وسيكون طول المنطقة 300 ميل وعمقها 20 ميلاً، وستكون تحت السيطرة التركية وسيكون دخولها محظوراً على القوات الكردية. ووفقاً لأردوغان، سوف تستضيف هذه “المنطقة الآمنة” ما بين مليونين وثلاثة ملايين لاجئ، بحيث تخلِّص بذلك أنقرة من مصدر صداع محلي كبير. وسوف تضم المنطقة 200.000 منزل، إلى جانب المستشفيات وملاعب كرة القدم والمساجد والمدارس التي تقوم ببنائها تركيا، وإنما يتم تمويلها دولياً -وهو وضع سيكون من شأنه توفير إيرادات تمس الحاجة إليها لقطاع البناء التركي المتعثر في وقت يشهد تباطؤ الاقتصاد. وسوف يكون تأمين التمويل لهذه الفكرة مسعى شاقاً، لكن أردوغان مستعد لمحاولة اختبار المياه. وقد هدد في أيلول (سبتمبر) بأنه “سيفتح البوابات” ويفجر أزمة لاجئين أخرى في أوروبا إذا لم يحصل على ما يريد.
المتاعب على الطريق
قد يكون اقتراح أردوغان هو الحل الأمثل لمشاكله الداخلية، لكن من المؤكد أنه سيخلق مجموعة من المشاكل الجديدة لكل طرف آخر. سوف ترسل خطته ملايين اللاجئين العرب السوريين إلى المناطق ذات الأغلبية الكردية داخل سورية –ولن يكون ذلك مصادفة حسب رؤية أردوغان، لأن تغيير التركيبة الإثنية في المنطقة سيزيد من إضعاف الأكراد. لكن القيام بذلك سيزيد من التوترات العربية الكردية، ويذكي الصراع في منطقة مستقرة نسبياً، ويسبب نزوحاً جماعياً من تلك المناطق. وبموجب القانون الدولي، لا يستطيع أردوغان إجبار اللاجئين السوريين على العودة من حيث أتوا، ومن المؤكد أن معظمهم لن ينتقلوا طوعاً، حتى إلى منطقة آمنة مزعومة. وسوف تتلقى الإستراتيجية الأميركية في سورية، التي اعتمدت بشكل كبير على الأكراد لمنع “داعش” من العودة، ضربة قوية. وسوف تكون الخطة هبة من الله لخصوم الولايات المتحدة في سورية -روسيا وإيران ونظام الأسد- الذين يعتقدون أنهم يستطيعون الوقوف على الهامش بينما يدفع التوغل التركي إلى انسحاب أميركي كامل، فقط ليعمدوا إلى استعادة المنطقة وطرد تركيا منها في وقت لاحق.
يدرك العديد من المشرعين الأميركيين هذه الحقائق، وقد أصبح ترامب هدفاً لسهام النقد المحِقّ من الديمقراطيين والجمهوريين على حد سواء بسبب تواطئه الواضح في العملية التركية -وهي عملية ينبغي أن تكون الولايات المتحدة بصدد العمل الجدّي على منعها. وحتى السيناتور الجمهوري ليندسي جراهام من ساوث كارولينا، الذي عادةً ما يكون أحد أقوى المدافعين عن ترامب، هدد بفرض عقوبات على الحكومة التركية إذا ما وضعت قدماً في سورية. ومع ذلك، يبدو أردوغان على استعداد لخوض هذه المخاطرة. فحكمه على المحك، وهذا هو كل ما يهمه -حتى لو أن ذلك يعني فرض عقوبات اقتصادية على بلده، وأنه يضيف المزيد من الفوضى والمعاناة لسورية.

*مدير مركز الدراسات التركية في معهد الشرق الأوسط.
*نشر هذا التحليل تحت عنوان: Turkey’s Endgame in Syria: What Erdogan Wants

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock