صحافة عبرية

نهاية النزاع الفلسطيني الإسرائيلي

يديعوت آحرونوت
المحامي يورام رابيد 24/6/2022
النزاع بيننا وبين الفلسطينيين هو نزاع قومي بين الحركة الصهيونية والحركة الوطنية الفلسطينية. وتجاهل مكانه والامتناع عن محاولة إيجاد حل له (لاعتبارات سياسية داخلية فقط)، يتسبب بمس خطير بطبيعة وبأخلاقية الدولة. هذا المس يخلق شرخا يأخذ في الاتساع، سواء داخل المجتمع اليهودي أم بينه وبين المجتمع العربي، ونهايته لا تحمد عقباها.
إن دس الرأس في الرمال وإبقاء الحيز العام للأقلية المتطرفة -المسيحانية سيؤدي الى نهاية حلم الدولة اليهودية والديمقراطية. علم أسود على ذلك هو جعل تلاميذ الحاخام كهانا شرعيين لدرجة الولاية في الكنيست، بل وربما في المستقبل في مناصب وزراء، بما في ذلك الشرعية التي أعطيت لأقوال عنصرية تجاه العرب ولأفعال “فتيان التلال”.
كتلة اليمين (تمييزا لها عن اليسار الصاخب الذي لا يفعل أي شيء بحيث أنه يتبنى بحكم الأمر الواقع موقف اليمين) تشدد على معارضتها لدولة فلسطينية غربي نهر الأردن بحجج قومية (بلاد الآباء) وأمنية زائفة (عمق استراتيجي)، لكنها تمتنع عن طرح بديل باستثناء “إلى الأبد ستأكلنا الحراب”.
بقدر ما لا يتغير وضع الأمور هذا، فإننا نندفع نحو اجتياز نقطة اللاعودة عن وجود دولة واحدة بين النهر والبحر. دولة كهذه يمكن أن تكون دولة كل مواطنيها (وعندها بالطبع لن تعود هناك دولة يهودية، إلا إذا ما طبقنا فكرة الابرتهايد)، أو دولة ابرتهايد، أي يكون السكان الفلسطينيون في مكانة دون.
رغم أنه في الحيز العام-السياسي القائم نجد أن الضحالة والشعبوية هما عنوان اللعبة ولا يسمحان للحقائق وأحيانا للاستنتاجات الواجبة أن تزعج ادعاءاتهما، فإني سأستغل هذه المنصة وأجلب بعضا من الحقائق التاريخية، إذ إنني أؤمن بأنه بقدر ما يطرح على الجمهور معنى استمرار المعارضة للدولة الفلسطينية، الى جانب معرفة التاريخ ذي الصلة، هكذا يكون من الأسهل على الزعامة (التي تسير أمام المعسكر وليس خلفه) البحث عن الحلول وتلقي إجماعا واسعا. إذ إنه لا يوجد إسرائيلي واحد ولا حتى عربي إسرائيلي واحد يريد دولة كل مواطنيها أو دولة ابرتهايد.
لقد قضى مشروع التقسيم الذي أقرته الأمم المتحدة في 1947 بأن يسلم نحو 45 % من أراضي بلاد إسرائيل الى الفلسطينيين ويسلم نحو 55 % لليهود. القدس تبقى خارج المشروع، بسيطرة دولية. قيادة الحاضرة العبرية في البلاد برئاسة بن غوريون وافقت على المشروع، بينما عارضه الفلسطينيون والدول العربية معارضة قاطعة -مما أدى الى حرب التحرير.
لاستياء الفلسطينيين ولفرحنا، انتهت المعركة بتقسيم البلاد غربي نهر الأردن بنسبة 22 % للفلسطينيين و78 % لإسرائيل، فيما قسمت القدس.
لقد خلقت حرب التحرير مشكلة جوهرية وهي مشكلة اللاجئين. من أصل 1.3 مليون فلسطيني كانوا يسكنون بين نهر الأردن والبحر عشية الحرب، أصبح 640 ألف لاجئ المتبقون، نحو 160 ألفا، بقوا في أراضي إسرائيل، بمن في ذلك أولئك الذين تمكنوا من العودة قبل قرار إغلاق الحدود، ونحو 500 ألف كانوا يسكنون منذ البداية في المناطق التي تبقت في أيدي الفلسطينيين. بعض هؤلاء اللاجئين فروا بمبادرتهم، بعضهم فروا بعد أن تم تخويفهم (في أعقاب قضية دير ياسين) وبعضهم طردوا عمليا (الترحيل).
لم ينشأ اللجوء بالطبع من مجرد الهروب أو الطرد، بل كنتيجة لقرار تاريخي لبن غوريون -قرار هو في نظري الثاني في أهميته فقط لقرار إعلان الاستقلال- في عدم السماح بعودتهم الى أراضي إسرائيل كما تقرر في اتفاقات الهدنة، وعدم منحهم أي تعويض عن أملاكهم.
منطق القرار واضح: في إسرائيل في ذاك الوقت كان نحو 600 ألف يهودي ونحو 160 ألف عربي. ولهذا فإذا ما أتيحت عودة اللاجئين سيصبح اليهود أقل.
منذ حرب التحرير كان موقف منظمة التحرير الفلسطينية وفتح “اليهود الى البحر”. في تشرين الثاني (نوفمبر) 1988، طرأ تغيير دراماتيكي في فكرهم. فقد قرر المجلس الوطني الفلسطيني بأنهم أخطأوا في ردهم على مشروع التقسيم ولهذا عوقبوا، وأنه من الآن فصاعدا يوافقون على دولتين لشعبين. كانت هذه مبادرة أبو مازن، وعرفات رحب بها.
وافق الفلسطينيون على دولتين على أساس حدود 1967 (22 % – 78 %)، وفقا لصيغة السلام مع مصر -الانسحاب حتى آخر متر مربع. وكرر المجلس الوطني الفلسطيني هذا الموقف في 1993 حين أقر اتفاقات أوسلو. وكانت الصعوبة في أنهم تحدثوا في الوقت نفسه عن حق العودة لأربعة ملايين لاجئ.
في 2002 نشرت مبادرة الجامعة العربية التي تضم 22 دولة عربية وم.ت.ف، وبموجبها ستوقع الدول العربية كلها مع إسرائيل على اتفاق سلام إذا وافقت إسرائيل على دولتين على أساس حدود 1967. وبالنسبة لحق العودة قيل لأول مرة إن حله سيتم بالتوافق.
نذكر أيضا اتفاقات السلام مع مصر والأردن واتفاقات إبراهيم، التي خلقت من جهة وهما بأنه يمكن احتواء النزاع مع الفلسطينيين الى الأبد، ما يسمح لزعامتنا ألا تنشغل به، في ظل القول “بعدنا الطوفان”. من جهة أخرى فإن الدول العربية التي وقعت معنا على اتفاقات السلام يمكنها أن تساعد على إيجاد حل.
توراة، شعب، بلاد
وإذا بتنا نتحدث عن النزاع، فلا بد أنه لا يمكن ذلك دون كلمة عن الوضع الراهن في الحرم الذي يعنى به الكثيرون. لا يدور الحديث عن قانون أو أنظمة، بل عن منظومة سلوكيات غير مكتوبة نشأت وحوفظ عليها من القيادة السياسية منذ 1967.
من المهم أن نتذكر بأن المكان يستخدم كمسجد على مدى نحو 1500 سنة وكمركز ديني للمسلمين بعامة. إعطاء الإذن لصلاة اليهود في الحرم، مثله مثل إعطاء الإذن لصلاة المسلمين في المبكى أو صلاة اليهود في كنيسة القيامة.
وإذا ما نسي أحد ما، فعلى مدى فترة نحو 25 سنة بدأت في نهاية السبعينيات، كانت في البلاد زعامة براغماتية في مسألة العرب والفلسطينيين. بيغن (اتفاق السلام مع مصر وخطة الحكم الذاتي)؛ رابين (اتفاق السلام مع الأردن واتفاقات أوسلو)؛ نتنياهو (اتفاقات واي في موضوع استمرار تنفيذ اتفاقات أوسلو واتفاق الخليل على تقسيم المدينة)؛ باراك (الانسحاب من لبنان والمفاوضات مع عرفات)؛ شارون (خطة فك الارتباط)؛ أولمرت (المفاوضات مع أبو مازن)؛ وبالتأكيد التأييد المعلن من رابين، نتنياهو، باراك وشارون، لدولة فلسطينية.
الخطر المتزايد هو أنه منذ العام 1974 مع قيادة حركة غوش ايمونيم وبدء مشروع الاستيطان، يتحول النزاع من قومي الى ديني. غوش ايمونيم، بخلاف الصهيونية، وضعت الإيمان -وبقوة أكبر المسيحانية- قبل القومية. في السنوات الأخيرة جرتها الأقلية المتطرفة التي في الصهيونية الدينية، بل وقسم من الجمهور العلماني، الى تغيير في الفكر: من الآن فصاعدا لا تقل “توراة، شعب، بلاد”، بل “بلاد، شعب، توراة” -الذي يعني كما أسلفنا دولة واحدة بين النهر والبحر، والكل باسم الرب، وهؤلاء يستغلون الفراغ الناشئ عن تجاهل الزعامة- ويسيطرون على الخطاب العام.
بقدر ما يسيطر الدين على النزاع (وكنتيجة لذلك على طابع دولتنا)، لا يعود ممكنا إيجاد حل له، إذ من سيخالف قول الرب، والرب ليس إلا واحد؟.
أنا واثق من أننا إذا ما عرضنا كل ما سلف على علم الأغلبية المعتدلة والصامتة (علمانيين ومتدينين، يمين ويسار) ستنهض وتقول كلمتها من أجل الأجيال المقبلة، إذ نحن نحب الحياة ونشدد على أنه ليس للنزاع حل سحري، وبالطبع هناك حاجة الى اثنين لرقصة التانغو، ولكن محظور علينا أن نستخدم هذه المعاذير كي نمتنع عن البحث عن الحل. والدليل -اتفاقات السلام التي بين إسرائيل وبين بعض الدول العربية، التي بدت في الماضي كأضغاث أحلام.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock