ترجمات

نهاية حكاية تركيا الخيالية مع الاتحاد الأوروبي؟

جنكيز أكتار* – (أحوال تركية) 5/11/2020

يمكن القول إن أول فشل ذريع في تاريخ توسع الاتحاد الأوروبي الذي بدأ العام 1973، كان ترشيح تركيا. كما يمكن القول بثقة إن هذه الفرصة الضائعة هي من صنع تحالف غير راغب بين الأطراف المعنية.
بالنسبة للاتحاد الأوروبي، فإن الفرصة الضائعة تشمل تآزر الإسلام السياسي وتعايشه مع بقية العالم. وبالنسبة لتركيا، فإن التداعيات تتجاوز مجرد ترشيح فاشل. فبابتعادها عن مسار الاتحاد الأوروبي، تعمل تركيا على توحيد وإغلاق مسعاها للتخلص من الغرب لبدء الإبحار نحو مياه مجهولة. وكانت تركيا قد تقدمت لأول مرة رسميًا للاشتراك مع ما كان يُعرف آنذاك بالمجموعة الاقتصادية الأوروبية في 31 تموز (يوليو) 1959. وتم توقيع اتفاقية الشراكة، المعروفة أيضًا باسم “اتفاقية أنقرة”، في 12 أيلول (سبتمبر) 1963، ودخلت حيز التنفيذ في 1 كانون الأول (ديسمبر) من العام التالي.
كان القرار التاريخي الثاني في الرحلة التركية هو الاتحاد الجمركي، وهو رابطة مهمة بين الطرفين منذ 1 كانون الثاني (يناير) 1996 عندما دخل حيز التنفيذ. وفي العام 2019، بلغ حجم التجارة بين تركيا والاتحاد الأوروبي حوالي 138 مليار يورو، ما جعل تركيا سادس أكبر شريك تجاري للاتحاد الأوروبي بنسبة 3.4 بالمائة.
وتم اتخاذ القرار التاريخي الثالث في هلسنكي في العام 1999، عندما وضع المجلس الأوروبي تركيا على قدم المساواة مع الدول المستقلة حديثًا في وسط وشرق أوروبا للانضمام إلى الكتلة. وتم تعديل ترشيح تركيا في ذلك الوقت، بما يتماشى مع القواعد الجديدة لسياسة التوسيع المنبثقة عن النهاية المفاجئة للحرب الباردة، والحاجة الملحة للتعامل مع الأمر الواقع.
وكانت أنقرة هي المرشح الأقدم بين الجميع، ولكن طُلب منها مع ذلك الامتثال للمعايير الجديدة المصممة لما بعد “الستار الحديدي”. وبذلك تم وضع البلد كجزء من أوروبا الجديدة التي تشكلت في حقبة ما بعد الاتحاد السوفياتي. وبالتالي، لم يكن قرار إشراك تركيا في موجة التوسيع الأخيرة ودعوتها للانضمام إلى الأسرة الأوروبية مجرد عمل خيري. لقد كان عملاً سياسياً حقيقياً يأخذ المصالح المشتركة في الاعتبار الكامل.
يهدف الاتحاد الأوروبي من خلال عملية التكامل إلى إرساء أسس الاستقرار الاقتصادي والسياسي والاجتماعي المستدام في تركيا. وفي المقابل، اعتُبر التطبيع في تركيا أفضل ضمان للحرية والسلام والأمن والاستقرار في القارة ككل.
وفي هلسنكي، اتخذ القادة السياسيون في الاتحاد الأوروبي قرارًا شجاعًا من الناحية السياسية لإظهار أن “أوروبا الكبرى”، كقوة عالمية مستقبلية، ستكون قادرة على دمج دول مختلفة على أساس القيم المشتركة، من دون عوائق من الاختلافات في الثقافات. وكانت تركيا حالة مهمة لأنها جسدت القيم التي يُزعم أنها تتعارض مع القيم الأوروبية، وسيكون نجاح مثل هذا التعهد بلا شك مثالًا للدول ذات الأغلبية المسلمة حول البحر الأبيض المتوسط، من خلال إثبات أن الحداثة كانت في متناول المجتمعات الإسلامية العلمانية.
ستكسب تركيا أيضًا الكثير من عملية الاندماج في الاتحاد الأوروبي، ليس أقله فرصة الاستفادة من خبرات وتقنيات شركائها لتحقيق عملية التحديث المستوحاة من الغرب والتي يبلغ عمرها 200 عام، وهي عملية كانت تتعثر فيها دائمًا في منتصف الطريق نحو تحقيق ديمقراطية مستقرة ومزدهرة.
سوف تتكيف أنقرة أيضًا مع الحياة بلا أعداء يحيطون بالبلاد، وتتصالح أولاً مع نفسها، ثم مع أعدائها. وستعيد البلاد اكتشاف ماضيها، وتواجه ذاكرتها وتاريخها، وتراجع عادات معينة كان عليها التضحية بها في محاولتها لاكتساب “المظهر الأوروبي الحديث”.
وكل هذا سيتحقق في بيئة من الثقة المتبادلة التي ستمكن تركيا من الشعور وكأنها في بينخت في أوروبا. وكان الرهان فائزًا، بشكل جزئي على الأقل، بين العامين 1999 و2005.
لكن هذه القصة الخيالية انتهت اليوم، والمسؤولية تقع على عاتق الطرفين. كان تصور الاتحاد الأوروبي لتركيا ومنظور عضويتها، على الرغم من التغييرات الهائلة بعد العام 1999، يقع دائمًا في منطقة سلبية. وكان حجم تركيا وضعفها النسبي مصدر قلق مستمرا. أما في العمق، فقد حيرت الملامح الدينية والتاريخية العقول باستمرار.
تم تقديم حجج لا حصر لها ضد عضوية تركيا من جميع الأطياف السياسية الأوروبية، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. وفي مواجهة استراتيجية وتكتيكات الاتحاد الأوروبي المخيبة للآمال، كان رد فعل الحكومات التركية مختلفًا في المحتوى والموضوعية على مر السنين.
في البداية، كان هناك نوع من خيبة الأمل، بينما اتخذت أنقرة بعد العام 2007 مسارًا متباينًا بشأن جهود ما قبل الانضمام، وتجاهلت أخيرًا مشروع الاتحاد الأوروبي بعد العام 2013.
بدأ تراجع تركيا الملحوظ عن قواعد الاتحاد الأوروبي ومعاييره ومبادئه في العام 2013، واستمر منذ ذلك الحين. واليوم، ينتهز المسؤولون الأتراك كل فرصة لتجاهل القيم الأساسية للاتحاد الأوروبي من أجل المطالبة بتفرد تركيا -إن لم يكن تفوقها.
وفي الواقع، أصبح نموذج الاتحاد الأوروبي ومحتواه مسؤوليات أمام نظام استبدادي باطراد، والذي أصبحت فيه الطبيعة التعسفية لحكم الرجل الواحد هي القاعدة. وشهد هذا الاتجاه ارتفاعًا طفيفًا بعد ما يسمى بانقلاب 15 تموز (يوليو) 2016، عندما انتهز النظام الفرصة لقمع أي معارضة.
واليوم، تجذرت معاداة الغرب في السياسة التركية، وأصبح الصراع مع أوروبا هو الرياضة المفضلة. وانعكس هذا الوضع في قرار المجلس الأوروبي، الذي جمّد عضوية تركيا وأعلن في 26 حزيران (يونيو) 2018 أن تركيا كانت “تبتعد أكثر عن الاتحاد الأوروبي”.
وهكذا، وصلت مفاوضات انضمام تركيا فعليًا إلى طريق مسدود ولا يمكن النظر في أي فصول أخرى لفتحها أو إغلاقها، ولا يُتوقع المزيد من العمل نحو تحديث الاتحاد الجمركي بين الاتحاد الأوروبي وتركيا.
ومن الناحية التقنية، تعد تركيا حالة فريدة من نوعها للفشل في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. ولا تملك أوروبا أي ذاكرة مؤسسية حول كيفية التعامل مع هذا الأمر، بما يشبه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. ويوضح السلوك الضعيف للاتحاد الأوروبي تجاه التوجه الاستبدادي للنظام التركي مدى افتقار الكتلة للهدف في حقبة ما بعد الترشح.
ومن أكبر المشكلات التي تواجه الاتحاد الأوروبي أنه لا يمكنه إبرام صفقات مخصصة تتعلق بمصالحه وأمنه مع تركيا، والتي لا تشعر بأنها ملزمة بأي التزامات عضوية أو شراكة. وسيكون من الصعب المراهنة على علاقات الاتحاد الأوروبي (وحلف شمال الأطلسي)، على سبيل المثال، لتخفيف التوترات مع الجيران، أو دعوة أنقرة للتوافق مع المكتسبات المشتركة فيما يتعلق بحماية البيئة والوقاية من الكوارث.
مع زوال أفق الاتحاد الأوروبي، دخلت تركيا في منطقة مجهولة. فقد تلاشت دينامية الاتحاد الأوروبي اللازمة للتحول والإصلاح، تاركة وراءها عادات قديمة سيئة. وتخلت الطبقة السياسية والحكومة والمعارضة في تركيا على حد سواء عن منظور الاتحاد الأوروبي، تاركة مجالاً ضئيلاً للمجتمع المدني لمواصلة دعم العملية.
أما الباقي فأصبح من الماضي. حيث لم تكتف تركيا بالتراجع عن ترشيحها، بل انطلقت في الاتجاه المعاكس، نحو نظام جديد استبدادي معادٍ لأوروبا. ولكن، يبدو كما لو أن الحكاية الخرافية قد انتهت، وقد فوتت تركيا هذا الموعد التاريخي.

*كاتب تركي

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock