ثقافة

نهى أبو عرقوب: الترجمة هي “إنصات عميق للصوت في النص الأصلي”

عزيزة علي
عمان- قالت المترجمة الأردنية نهى أبو عرقوب التي تترجم الكتب من ثلاثة لغات؛ الفرنسية والاسبانية والانجليزية، إنها تفضل اللغة العربية، ولكن فكرة تعلم لغة أجنبية تجذبها أيا كانت، مبينة أن لكل لغة خصوصيتها ومواطن جمالها. وتلفت إلى أن تعلم اللغات كان هاجسها منذ طفولتها “كنت أقول لنفسي أنه لا يعقل للمرء- إذا أراد أنْ يفهم هذا العالم المتعدد الألسن الذي وجد فيه، أو على الأقل أنْ يقف على عتبة فهمه، أن يكتفي بلغته الأم”، فتوجهت لتعلم اللغات تلبية لحاجة وجودية قبل أنْ يكون توجها مهنيا. ولكنها لم تذهب إلى اللغة الأجنبية إلا وفي ذهنها العربية أولا.
أوضحت أبو عرقوب في حوارها مع “الغد”، بأن الترجمة هي “إنصات عميق للصوت في النص الأصلي”، مضيفة: كان عندي يقين يكاد يكون غريزيا أن اللغة العربية قادرة على احتضان كل ما في العالم من جمال وفن وأفكار عظيمة. وتتابع؛ “كان يحزنني أن أقع على ترجمة رديئة-في حين أن الأصل يكون تحفة فنية رائعة من حيث الشكل والمضمون-لأنني أشعر أن في ذلك تقزيما للغتنا وإيحاء للقارئ بأنها ضيقة لا تتسع لاحتواء ما في اللغات الأخرى من جمال أو ثراء أو تعقيد”، من هنا جاء اهتمامها بالترجمة، لحرصها على اللغة الأم أكثر من كونه حبا في لغة أجنبية معينة، فكل اللغات تحمل جمالياتها الخاصة، وما اختيارها للإنجليزية والفرنسية والإسبانية إلا لكونها الأوسع انتشارا في هذا العصر.
ورأت أبو عرقوب أن الترجمة هي إنصات عميق للصوت في النص الأصلي، وقراءة متمعنة له، حتى وإن كانت قراءة ذاتية، فالأهم هو الحفاظ على خصوصية كل عمل أدبي وكل صوت سارد. والهاجس الذي يشغلها في الترجمة هو أنْ تنقل للقارئ العربي، لا ما يقوله النص فقط، وإنما أن تترجم الأثر الذي أحدثه في النص حين قرأته بلغته الأم، ووقع هذا النص، والحالة الشعورية والوجدانية. وأضافت الترجمة الأدبية هي ترجمة للتأثير وللحالة الوجدانية التي يخلقها النص، وترجمة للعالم الذي يبنيه الكاتب بكل ما فيه من عناصر ومكونات، وإلا فالأجدر أن تلخص أفكار الكتاب أو الحكاية الواردة فيه بهدف تعريف القارئ به، بالحقيقة فإن بعض الترجمات هي أشبه بملخصات للكتاب الأصل، أو فكرة تعطى عنه. في الرواية مثلا، وحتى في الشعر أحيانا، يبني الكاتب عالما، وهنا تكون مهمة المترجم أن يفكك هذا العالم ثم يعيد تركيبه، معيدا إنتاجه في اللغة الأم.
وتتابع أبو عرقوب: الأمر لا يتعلق بترجمة سطر بسطر أو فقرة بفقرة، فهذه الترجمة تعني أن المترجم توقف عند مرحلة التفكيك. أي أنه اكتفى بتفكيك النص للقارئ العربي، ثم على القارئ أن يتدبر أمره ويركبه كيفما أراد، أو أن يخرج منه بقطع وشظايا، لا بالعالم المتكامل الذي خاض الكاتب مخاضا عسيرا كي يخرجه إلى النور. وبهذه الطريقة فإن المترجم يهدر جهد الكاتب الأصلي، فيظلمه ويظلم اللغة التي يترجم إليها.
ومن منظور تجربتها كقارئة، فقد كشفت لها الترجمات، خاصة في الرواية، بل حتى في الشعر أحيانا، عن عمق الاختلاف في النظرة إلى مفهوم الكتابة نفسها، بيننا وبين الآخرين. وربما أمكنها تمييز نوعين من اللغة أو الكتابة: اللغة في الآداب الأجنبية كاشفة في معظم الأحيان، بينما هي عندنا واصفة على الدوام أو تكاد. اللغة عندهم أداة للمعرفة والابتكار، وعليه فإنها غالبا ما تكون مدهشة في كثير من جوانبها، ومن هنا انجذاب القراء إليها. فما بين اسم الكاتب الأجنبي وعنوان كتابه ثمة عوالم شاسعة ومدهشة يدخلها القارئ ويسافر عبرها، ومعارف كثيرة يكتسبها.
ورأت أن بعض الكتاب العرب يضعون عناوين لكتبهم، وعندما يصل الكتاب للقارئ لا يجد ما هو أبعد من أنف الكاتب نفسه، بينما يستخدم الكتاب الآخرون اللغة للكشف والحفر وابتكار العوالم المدهشة، حتى وهم يتحدثون عن ذواتهم، حيث يجعلون منها نافذة على الآخر والعالم. أما بعضنا (وقد يكون أغلبنا) فنستخدمها للوصف، وتكرار الوصف، والبوح ثم البوح، والشكوى. وفي معظم الأحيان تكون خليطا من سير ذاتية وبوح شعري عسير على الهضم؛ اجترارا لصور وأنماط أصبحت مستهلكة ومملة إلى حد بعيد.
وحول الإضافة التي أضافتها الترجمة لها على المستوى الشخصي، قالت “إن الترجمة هي المحترف الذي أمارس فيه هوايتي الأثيرة، ألا وهي تعلم اللغة، الأم والأجنبية معا. أتعامل مع الترجمة بروح الصانع لا بروح الأكاديمي أو الباحث. فالترجمة تعلم مستمر للغة، ومنبع معرفة لا ينضب، وحوار ممتع مع الآخر الذي يشبهك ويختلف عنك. ولعلها أيضا تعويض عن رغبة دفينة في الكتابة تحتاج إلى حياة بموازاة الحياة كي أعبر عنها”.
وعن المشكلات التي تواجه ترجمة في العالم العربي، رأت أن هناك عددا قليلا من المشاريع الكبيرة والمهمة، لكنها ليست كافية. والحقيقة أنه لا يوجد مشاريع حكومية جادة لإنعاش حركة الترجمة إلا في أقطار محدودة. ويعاني سوق الترجمة من فوضى في الاختيارات ومن تكرار الترجمات، وعدم الاهتمام الكافي بعملية التحرير، والتركيز على لغات وثقافات معينة من دون غيرها.
وقامت أبو عرقوب بترجمة العديد من الادب العالمي، الموجه للأطفال، قائلة “يوجد في العالم فيض هائل من الأعمال المبدعة في أدب الناشئة وأدب الأطفال، وأصبح أدب الناشئة شديد الرواج وكثيرا من كتابه وكاتباته باتوا نجوما، مبينة أن ترجمة هذا النوع من الكتب هي الأصعب والأخطر، لكنها الأمتع، إذ تستعيدين بها طفولتك المفقودة، وشهيتك إلى اللعب والمرح. فضلا عما تحويه من معرفة حتى للكبار أنفسهم”.
وحول الصعوبات التي تواجها كمترجمة لأدب والناشئة قالت الصعوبات في هذا الحقل هو “الاعتناء بالاختيارات”، فينبغي الانتباه أكثر إلى الخصوصية الثقافية للطفل الذي توجه إليه الترجمة”.
وأضافت أبو عرقوب في العالم العربي أدب الناشئة يكاد يكون معدوما، والترجمة هي التي تملأ جزءا يسيرا من هذا الفراغ. ولكن هذا لا ينطبق على “أدب الأطفال”، فمشكلة هذا الأدب الأساسية ليست في الكم بل في اللغة والمضمون، وهنا أيضا لا يمكن أن يعزى ذلك إلى بعض القيود المفروضة على مضامين معينة، فما بين الحرية المنفلتة وبين القيود الصارمة ثمة فضاءات شاسعة للابتكار والتخييل يستطيع الكاتب الحقيقي أن يصول ويجول فيها.
ورأت المترجمة إن المشكلة الفعلية تكمن في “روح الواعظ والملقن”، التي تسيطر على أدب الطفل، فقد وقعت بين يدي نماذج تذهب فيها الرغبة في تهذيب الطفل وتأديبه حدا منفرا. وإذا تخففت بعض هذه الكتب من الوعظ والتهذيب، فإنها تسقط في المبتذل والممل والمكرر، أو حتى الساذج، من الحبكات والحوارات. أما من حيث لغتها، فنجدها في كثير من الأحيان، إما ركيكة، ظنا ربما بأن الركاكة والطفولة مترادفتان، وإما سليمة وملائمة لعمر الطفل لكنها لا تقول شيئا على الإطلاق.
وتأكد أبو عرقوب على مهمة الإرشاد والتهذيب، متروكة للأبوين والمدرسة، أما كتب الحكايات فيفترض بها أن تنشط مخيلة الطفل عبر خلق عوالم مدهشة تحفز لديه الرغبة في طرح الأسئلة والاستكشاف، وتمنحه أكبر قدر ممكن من الحصيلة اللغوية والمعرفية.
وعن أن أبرز التحديات التي تواجهها كمترجمة؟ قالت أبو عرقوب التحدي الأكبر هو الحفاظ على الصوت الخاص في النص الذي تترجمه، فالترجمة عملية معقدة تتضمن عدة مستويات، خاصة الترجمة الأدبية والفكرية. فليس المقصود بها أنْ تنقل نصا من لغة إلى لغة. وإنما يحتاج الأمر أولا، وقبل كل شيء، إلى إصغاء عميق للصوت الأصل، إلى إعطائه المساحة الكافية لأن يتنفس ويعبر عن ذاته ويخرج كل مكنوناته وأسراره دون أن تشوش عليه نية المترجم نقله إلى لغته، مهما كلف هذا الإنصات من وقت وجهد. على النص أن يقول ذاته حتى آخر قطرة، ولكن بلغة أخرى.
وحول المشكلات التي تواجه ترجمة في العالم العربي، قالت إن هناك عددا قليلا من المشاريع الكبيرة والمهمة، لكنها ليست كافية. والحقيقة أنه لا يوجد مشاريع حكومية جادة لإنعاش حركة الترجمة إلا في أقطار محدودة. ويعاني سوق الترجمة من فوضى في الاختيارات ومن تكرار الترجمات، وعدم الاهتمام الكافي بعملية التحرير، والتركيز على لغات وثقافات معينة دون غيرها.
وعن الكتاب الذي قامت بترجمته واستمتعت به قالت أبو عرقوب: الكتاب الذي استمتعت بترجمته أكثر من غيره، وودت لو أنه لا ينتهي؟ هو كتاب “الكاتب والآخر”، للأروغواياني كارلوس ليسكانو، ظللت حبيسة هذا الكتاب وقتا طويلا، لم أستطع خلاله القراءة ولا الترجمة، لكنني أفكر الآن بالعودة إلى عالم ليسكانو ونقل بعض من أعماله الأخرى إلى القارئ العربي.
ويذكر أن المترجمة الأردنية نهى أبو عرقوب، حاصلة على درجة البكالوريوس في اللغات الحديثة من جامعة اليرموك. ساهمت بترجماتها الأدبية في العديد من الصحف والدوريات الأردنية والعربية، وصدر لها عدد من الكتب المترجمة، منها: “الكاتب والآخر” لكارلوس ليسكانو، “الحبكة الإنسانية” للكاتب المسرحي البريطاني إدوارد بوند عن مؤسسة القطان، “أبجدية الصباح” لأليس ريفاز، و”عودة الأمير الشاب” لأليخاندرو غييرمو رومرس عن الدار الأهلية، “وهذا أيضا سوف يمضي” لميلينا بوسكيتس عن دار ميسكيلياني، كتابان للأرجنتينية إيسول: “خلل صغير في العالم” عن المتحف الوطني الفلسطيني، و”مستحيل” عن دار المنى. ويصدر لها قريبا ترجمة رواية “الكرنتينة” لجان ماري غوستاف لوكليزيو عن مشروع كلمة.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock